10 يونيو 2026
على امتداد 6 مشاركات في نهائيات كأس العالم، نجح منتخب تونس في تحقيق العديد من الإنجازات التي جعلته من أبرز المنتخبات العربية والأفريقية في تاريخ المسابقة. فمن الفوز التاريخي على المكسيك سنة 1978، إلى إسقاط فرنسا بطلة العالم في نسخة 2022، أثبت نسور قرطاج أكثر من مرة قدرتهم على مقارعة أقوى المنتخبات العالمية، ورغم ذلك، ما زال إنجاز واحد غائبًا عن سجل المنتخب التونسي، ألا وهو التأهل إلى الدور الثاني.
فمنذ أول ظهور في الأرجنتين عام 1978 وحتى آخر مشاركة، توقفت رحلة تونس دائمًا عند الدور الأول، وبينما يفسر البعض ذلك بسوء الحظ، يرى آخرون أن هناك أسبابًا أعمق وأكثر تعقيدًا، تفسر هذا الغياب المستمر عن الأدوار الاقصائية.
مجموعات صعبة منذ البداية
أحد أبرز العوامل التي واجهت منتخب تونس في مختلف مشاركاته، يتمثل في صعوبة المجموعات التي وقع فيها.
في أغلب النسخ، وجد نسور قرطاج أنفسهم في مواجهة منتخبات مرشحة للمنافسة على اللقب، أو الوصول إلى الأدوار المتقدمة، ففي نسخة 1998 واجه المنتخب إنجلترا ورومانيا وكولومبيا، وفي 2006 اصطدم بإسبانيا وأوكرانيا، بينما ضمت مجموعة 2018 منتخبي إنجلترا وبلجيكا اللذين وصلا إلى نصف النهائي. أما في قطر 2022 فقد واجه المنتخب الفرنسي بطل العالم والدنمارك أحد أبرز منتخبات أوروبا في تلك الفترة.
صحيح أن كأس العالم لا يضم منتخبات سهلة، لكن بعض المنتخبات استفادت في مناسبات عديدة من مجموعات أكثر توازنًا، بينما وجد منتخب تونس نفسه مرارًا أمام منافسين من الصف الأول عالميًا.
ورغم ذلك، لا يمكن اعتبار القرعة وحدها السبب الرئيسي، لأن منتخبات أخرى نجحت في تجاوز مجموعات صعبة بفضل عوامل إضافية.
مشكلة الفاعلية الهجومية
إذا كان هناك عامل مشترك بين معظم مشاركات منتخب تونس في كأس العالم، فهو الصعوبات الهجومية.
غالبًا ما نجح المنتخب في التنظيم الدفاعي والانضباط التكتيكي، بل وتمكن في عدة مباريات من الحد من خطورة منافسين أقوى منه على الورق، لكن المشكلة ظهرت عندما يتعلق الأمر بتحويل الفرص إلى أهداف.
في كثير من المباريات كان المنتخب التونسي يصنع فرصًا كافية للخروج بنتيجة أفضل، لكنه عانى من غياب المهاجم القادر على صناعة الفارق أمام المرمى.
وتظهر الأرقام بوضوح أن منتخب تونس نادرًا ما كان من المنتخبات الغزيرة تهديفيًا في كأس العالم، وهو ما جعل هامش الخطأ ضيقًا جدًا في كل مشاركة.
فالمنتخبات التي تتأهل عادة من الدور الأول تمتلك لاعبًا أو اثنين قادرين على حسم مباراة بلمسة واحدة، بينما افتقد المنتخب التونسي في معظم النسخ لهذا النوع من اللاعبين.
منتخب تونس يعاني محدودية العمق في الرصيد البشري
من النقاط التي كثيرًا ما ظهرت خلال مشاركات تونس العالمية، محدودية الخيارات مقارنة بالمنتخبات الكبرى، إذ غالبًا ما امتلك المنتخب تشكيلة أساسية جيدة وقادرة على المنافسة، لكن الفارق يظهر عند النظر إلى دكة البدلاء.
فالمنتخبات الكبيرة تستطيع تعويض الغيابات والإصابات بسهولة نسبية، بفضل وفرة المواهب، أما تونس فكانت في العديد من المناسبات تعتمد على مجموعة محدودة من اللاعبين الأساسيين، وعندما يتعرض أحد العناصر المهمة للإصابة أو يتراجع مستواه، يصبح من الصعب إيجاد بديل يمتلك الجودة نفسها.
هذا العامل يزداد أهمية في البطولات القصيرة مثل كأس العالم، حيث تلعب المباريات بوتيرة مرتفعة، وتتطلب جاهزية كاملة لجميع العناصر.
الفوارق مع كبار العالم لا تزال قائمة
رغم التطور الكبير الذي عرفته كرة القدم التونسية خلال العقود الأخيرة، فإن الفوارق مع كبار العالم ما تزال موجودة.
هذه الفوارق لا تتعلق فقط بالمواهب الفردية، بل تشمل عدة جوانب أخرى مثل سرعة اللعب، والخبرة في المباريات الكبرى، والقدرة على إدارة التفاصيل الصغيرة التي تصنع الفارق في البطولات العالمية.
في كثير من المباريات، قدم منتخب تونس أداءً متوازنًا أمام منتخبات كبرى، لكنه خسر بسبب هفوة دفاعية واحدة أو لقطة فردية من لاعب عالمي، وهذا ما حدث في أكثر من نسخة، حيث كانت التفاصيل الصغيرة هي التي تفصل بين نقطة ثمينة أو هزيمة مؤثرة.
المنتخبات الكبرى تملك عادة القدرة على حسم المباريات، حتى عندما لا تقدم أفضل مستوياتها، بينما تحتاج المنتخبات الأقل خبرة إلى تقديم مباراة شبه مثالية لتحقيق النتيجة المطلوبة.
عامل الخبرة المونديالية
رغم المشاركة المتكررة في كأس العالم، فإن تونس لم تتمكن من بناء استمرارية طويلة على مستوى النتائج، ففي كل جيل تقريبًا كان المنتخب يدخل البطولة بطموحات جديدة وتجربة مختلفة، ما جعل تراكم الخبرة أقل مما هو موجود لدى بعض المنتخبات المعتادة على بلوغ الأدوار المتقدمة.
النجاح في كأس العالم لا يعتمد فقط على جودة اللاعبين، بل أيضًا على الثقافة التنافسية داخل المجموعة، وعلى معرفة كيفية التعامل مع الضغوط والمباريات الحاسمة.
وهنا استفادت منتخبات مثل كرواتيا والمغرب وكوريا الجنوبية في بعض النسخ من تراكم الخبرات، وهو ما ساعدها على تحقيق إنجازات تاريخية.
هل يغير نظام 48 منتخبًا المعادلة؟
ربما يكون هذا السؤال هو الأكثر أهمية بالنسبة للجماهير التونسية اليوم، فمع توسعة كأس العالم إلى 48 منتخبًا، تغيرت طبيعة المنافسة بشكل واضح، فالمنتخبات المتوسطة باتت تملك فرصًا أكبر للتأهل إلى الأدوار الاقصائية مقارنة بالنظام السابق.
في النسخ الماضية كان التأهل يتطلب عادة احتلال أحد المركزين الأول أو الثاني في مجموعة من أربعة منتخبات. أما النظام الجديد فيمنح فرصًا إضافية، ويقلل من تأثير خسارة مباراة واحدة.
بالنسبة لتونس، قد يشكل هذا النظام فرصة تاريخية لكسر العقدة التي رافقتها منذ 1978، فالمنتخب يمتلك خبرة كبيرة في التعامل مع مباريات الدور الأول، وغالبًا ما يكون قريبًا من المنافسة حتى الجولة الأخيرة، ومع زيادة عدد المنتخبات المتأهلة، قد تصبح نقطة أو نقطتان إضافيتان كافيتين لتحقيق الحلم الذي استعصى لعقود.
بين الحلم والواقع
عندما ننظر إلى تاريخ منتخب تونس في كأس العالم، نجد أن المشكلة لم تكن أبدًا في غياب الشخصية أو الروح القتالية، فالمنتخب أثبت مرارًا قدرته على مواجهة أقوى المنتخبات العالمية وتحقيق نتائج لافتة.
لكن مزيجًا من العوامل، بداية من صعوبة المجموعات مرورًا بالمشاكل الهجومية ومحدودية العمق في التشكيل، وصولاً إلى الفوارق الفنية مع الكبار، جعل التأهل إلى الدور الثاني حلمًا مؤجلًا في كل مرة.
ومع دخول كرة القدم العالمية مرحلة جديدة ببطولة تضم 48 منتخبًا، تبدو الفرصة أكبر من أي وقت مضى أمام نسور قرطاج، لكتابة صفحة جديدة في تاريخهم المونديالي.
