28 يونيو 2026

خرج المنتخب السعودي من كأس العالم 2026، لكن الخروج هذه المرة لا يبدو عاديًا. ليس لأنه جاء من دور المجموعات فقط، بل لأنه جاء في بطولة كانت تحمل فرصة نادرة لهذا الجيل كي يكتب فصلًا جديدًا في تاريخ «الأخضر».

بعد التعادل مع أوروغواي، والخسارة أمام إسبانيا، ثم التعثر أمام الرأس الأخضر، انتهى حلم التأهل إلى دور الـ32، وبدأت معه أسئلة أكبر من نتيجة مباراة: هل وصل جيل سالم الدوسري إلى نهاية رحلته المونديالية؟ وهل كانت هذه المشاركة فرصة ضائعة لمشروع كان يجب أن ينضج أكثر؟

فرصة لم تتكرر كثيرًا

منذ إنجاز 1994، لم يعرف المنتخب السعودي طريق الأدوار الإقصائية في كأس العالم. لذلك، دخلت نسخة 2026 وهي تحمل معنى خاصًا.

النظام الجديد يمنح فرصًا كبرى. المجموعة، رغم صعوبتها، لم تكن مستحيلة بعد تعادل البداية أمام أوروغواي. والجيل الحالي يملك أسماء صاحبة خبرة كبيرة في كأس العالم، على رأسها سالم الدوسري، سعود عبد الحميد، محمد كنو، حسان تمبكتي، وفراس البريكان.

لكن عندما جاءت لحظة الحسم، لم يتمكن الأخضر من اقتناصها.

وهنا تكمن مرارة الخروج: لم يكن المنتخب بعيدًا تمامًا عن الحلم، لكنه لم يعرف كيف يمسك به.

سالم الدوسري.. نهاية حلم أم بداية وداع؟

سالم الدوسري ليس مجرد لاعب في المنتخب السعودي. هو ذاكرة مونديالية كاملة. سجل أمام مصر في 2018، وسجل هدفًا تاريخيًا أمام الأرجنتين في 2022، وحمل شارة القائد في مرحلة كان ينتظر منها السعوديون الكثير.

لكن كأس العالم 2026 كان من المؤمل أن تكون الفصل الأجمل في قصته الدولية: قيادة المنتخب إلى الأدوار الإقصائية بعد غياب طويل.

لم يحدث ذلك.

والآن، يصبح السؤال مؤلمًا: هل كانت هذه آخر فرصة حقيقية لسالم كي يقود السعودية إلى إنجاز مونديالي جماعي؟

حتى لو استمر مع المنتخب في الفترة المقبلة، فإن الزمن الدولي لا ينتظر كثيرًا. كأس العالم 2030 قد تكون بعيدة على بعض عناصر هذا الجيل، وكأس آسيا 2027 ستتحول إلى اختبار أخير ومهم لكثير من الأسماء.

من فوز الأرجنتين إلى خيبة 2026

لا يمكن الحديث عن هذا الجيل دون العودة إلى ليلة الأرجنتين في كأس العالم 2022. كانت لحظة استثنائية، وضعت المنتخب السعودي في واجهة العالم، ومنحت اللاعبين مكانة كبيرة في ذاكرة الجماهير.

لكن المشكلة أن تلك الليلة ظلت أكبر من كل ما جاء بعدها.

في 2022، لم ينجح المنتخب في التأهل رغم الفوز التاريخي. وفي 2026، لم يستطع تحويل الخبرة السابقة إلى عبور. وهنا يبدأ السؤال: هل عاش هذا الجيل على أعظم لحظة صنعها، دون أن ينجح في تجاوزها؟

المنتخبات الكبيرة لا تُقاس بالمفاجآت فقط، بل بالاستمرارية. والسعودية صنعت المفاجأة، لكنها لم تصنع المشوار.

الخروج يضع اتحاد القدم تحت الضغط

خروج المنتخب السعودي لا يخص اللاعبين وحدهم. فهو يضع اتحاد القدم تحت ضغط كبير، خاصة في ظل الحديث عن فترة إعداد لم تكن مثالية، وتغييرات واسعة سبقت البطولة، وحالة عدم استقرار أثرت في صورة الفريق.

الجماهير ستسأل عن المدرب، وعن الاختيارات، وعن التحضير، وعن أسباب غياب الحسم. لكنها ستسأل أيضًا عن المشروع كاملًا: أين يريد المنتخب السعودي أن يصل؟ وما الخطة الحقيقية قبل كأس آسيا 2027 ومونديال 2034؟

لا يمكن أن تستضيف السعودية كأس العالم بعد سنوات قليلة، فيما يبقى منتخبها الأول عاجزًا عن عبور دور المجموعات.

كأس آسيا 2027 أصبحت اختبارًا مصيريًا

بعد الخروج من كأس العالم، تتحول كأس آسيا 2027 في السعودية إلى بطولة لا تحتمل الفشل.

لن تكون بطولة عادية. ستُقام على الأرض، أمام الجمهور، وبعد مشاركة مونديالية محبطة. لذلك، سيصبح المنتخب مطالبًا ليس بالمنافسة وحسب، بل بتقديم إجابة واضحة للجماهير.

إذا أراد الأخضر ترميم الثقة، فلا بد أن تبدأ الخطة من الآن. لا من معسكر البطولة، ولا من الأسابيع الأخيرة، بل من اليوم التالي للخروج.

اختيار المدرب، تثبيت الأجهزة، منح الشباب أدوارًا واضحة، تحديد هوية اللعب، وبناء منتخب يعرف ماذا يريد قبل أن يدخل الملعب.

هل المشكلة في الجيل أم في المنظومة؟

قد يقول البعض إن الجيل الحالي لم يقدم ما يكفي. وقد يرى آخرون أن اللاعبين دفعوا ثمن قرارات إدارية وفنية غير مستقرة. الحقيقة ربما تقع بين الاثنين.

نعم، بعض النجوم لم يظهروا بالمستوى المنتظر. ونعم، المنتخب افتقد الحسم في لحظات مصيرية. لكن في الوقت نفسه، لا يمكن مطالبة اللاعبين بصناعة إنجاز كبير إذا لم تكن المنظومة حولهم مستقرة بما يكفي.

كرة القدم الحديثة لا تعتمد على 11 لاعبًا فقط. تعتمد على مشروع كامل: جهاز فني، إعداد بدني، إدارة طبية، تحليل، استقرار، وضوح، وبيئة لا تترك اللاعب وحيدًا أمام الضغط.

رسالة الخروج: لا تكفينا الأسماء

السعودية تملك دوريًا كبيرًا، أسماء لامعة، دعمًا ضخمًا، وجماهير لا تتوقف عن المساندة. لكنها في كأس العالم احتاجت إلى شيء آخر: فريق يعرف كيف يحسم.

الأسماء وحدها لا تتأهل. التاريخ وحده لا يكفي. وحتى لحظة الأرجنتين لا تمنح بطاقة عبور أبدية.

ما يحتاجه الأخضر الآن هو شخصية منتخب، لا مجموعة لاعبين جيدين فقط. شخصية تظهر عندما تكون المباراة مغلقة، وعندما يكون الفوز مطلوبًا، وعندما يعرف الجميع أن 90 دقيقة قد تغيّر حكم التاريخ على جيل كامل.

شاركها.
اترك تعليقاً