20 يونيو 2026

في عالم كرة القدم، تُكتب قصص النجوم عادة بالأهداف والألقاب والبطولات، لكن قصة إدين دجيكو تختلف عن الكثير من الحكايات التي عرفتها الملاعب الأوروبية، فهي قصة لاعب بدأ حياته وسط الحرب والدمار والخوف، قبل أن يتحول إلى أعظم لاعب في تاريخ البوسنة والهرسك، وأحد أبرز المهاجمين في جيله.

وعلى مدار أكثر من عقدين، نجح دجيكو في صناعة مسيرة استثنائية قادته من شوارع سراييفو المحاصرة إلى منصات التتويج في ألمانيا وإنجلترا، ثم إلى كتابة التاريخ مع منتخب بلاده، الذي قاده إلى أول ظهور في كأس العالم عام 2014، قبل أن يعود ويقوده مجددًا إلى مونديال 2026.

طفولة تحت القصف.. وبداية حلم

وُلد إدين دجيكو في 17 مارس 1986 بمدينة سراييفو، وعاش طفولته خلال حرب البوسنة التي اندلعت عام 1992، لتصبح سنواته الأولى مليئة بالمشاهد التي يصعب أن يعيشها أي طفل، فلم تكن هناك حياة طبيعية، فالقصف كان جزءًا من الحياة اليومية، والطعام كان نادرًا، والخوف يسيطر على الجميع.

وفي واحدة من أكثر اللحظات تأثيرًا في حياته، طلب إيدين من والدته السماح له بالخروج للعب كرة القدم مع أصدقائه، لكنها رفضت من دون سبب واضح، وبعد فترة قصيرة سقطت قذيفة على المكان الذي كان من المفترض أن يلعب فيه، ما أسفر عن مقتل وإصابة عدد من الأطفال.

وتحدث دجيكو لاحقًا عن تلك الفترة قائلاً: “لم يكن هناك الكثير من الطعام، وكنا نختبئ كلما بدأ إطلاق النار أو سقطت القنابل، دُمّر منزلنا وانتقلنا للعيش مع أقاربنا، لكن عندما انتهت الحرب أصبحت أقوى ذهنيًا”.

ورغم الظروف القاسية، كانت كرة القدم ملاذه الوحيد للهروب من واقع الحرب، لتبدأ معها أولى خطوات الحلم.

بداية متواضعة.. وإصرار لا ينكسر

بدأ دجيكو مسيرته الكروية في أكاديمية جيلييزنيتشار، أحد أكبر أندية البوسنة، لكن بداياته لم تكن استثنائية كما يتصور البعض، فعندما صعد للفريق الأول، لم يكن ضمن أبرز المواهب في جيله، بل تعرض لانتقادات بسبب بطئه وضعف مهاراته الفنية، كما سجل خمسة أهداف فقط خلال نحو 40 مباراة مع الفريق.

ورغم ذلك، كان يتمتع بعقلية مختلفة وإصرار كبير على التطور، ويتذكر مدربه السابق إيسو أحمدوفيتش إحدى الحصص التدريبية عندما قال لمن حوله: “في ذلك الوقت كان أندري شيفتشينكو أفضل مهاجم في العالم، وقلت لهم انظروا جيدًا إلى هذا الفتى، إنه شيفتشينكو الجديد”.

أما المدرب عمار أوسيم، فأكد أن دجيكو كان يمتلك قدرات استثنائية، وشغفًا هائلاً ليصبح لاعبًا محترفًا حقيقيًا.

وبحسب والده ميدهاد، فإن سر نجاحه كان دائمًا في قوته الذهنية وقدرته على التعامل مع الضغوط، إذ قال: “كل شيء يبدأ من العقل.. إدين قوي وثابت، وتعلم كيف يتعامل مع الضغط منذ الصغر”.

أوروبا تكتشف “الماسة البوسنية”

في عام 2005، انتقل دجيكو إلى تيبليتسه التشيكي، وهناك بدأت ملامح المهاجم الكبير في الظهور، ورغم أن كثيرين اعتبروا رحيله عن البوسنة مقابل مبلغ متواضع خطوة عادية، فإن اللاعب الشاب كان يؤمن بقدراته بشكل كبير.

ويتذكر زميله السابق سمير ميرزيتش إحدى المباريات أمام سبارتا براغ، عندما واجه إدين المدافع الشرس توماس ريبكا، قائلاً: “كان عمره 19 عامًا فقط، لكنه لعب من دون أي خوف”.

وبعد موسمين ناجحين في التشيك، انتقل إلى فولفسبورغ الألماني عام 2007، ليبدأ الفصل الأهم في مسيرته الأوروبية.

فولفسبورغ.. الانفجار الكبير

مع فولفسبورغ، تحول دجيكو إلى واحد من أخطر المهاجمين في أوروبا، وشكل ثنائيًا هجوميًا مرعبًا مع البرازيلي غرافيتي، وقاد الفريق لتحقيق أول لقب دوري ألماني في تاريخه خلال موسم 2008-2009.

وسجل إدين 26 هدفًا في موسم التتويج، فيما أنهى مشواره في الدوري الألماني برصيد 66 هدفا، ليضع نفسه بين أبرز مهاجمي القارة الأوروبية.

مانشستر سيتي.. لحظة خالدة في التاريخ

في يناير 2011، انتقل دجيكو إلى مانشستر سيتي، ليخوض تحديًا جديدًا في الدوري الإنجليزي الممتاز، ورغم المنافسة القوية في خط الهجوم، نجح المهاجم البوسني في ترك بصمة لا تُنسى في تاريخ النادي.

وجاءت أبرز لحظاته في الجولة الأخيرة من موسم 2011-2012 أمام كوينز بارك رينجرز، عندما سجل هدف التعادل في الدقيقة 92، قبل أن يحرز سيرخيو أغويرو هدف الفوز التاريخي الذي منح مانشستر سيتي لقب الدوري الإنجليزي للمرة الأولى، منذ 44 عامًا.

وخلال مسيرته مع الفريق، سجل دجيكو 50 هدفًا في الدوري الإنجليزي الممتاز، وساهم في تتويج النادي بعدة بطولات محلية.

إيطاليا.. سنوات النضج الكروي

واصل إدين كتابة التاريخ في الدوري الإيطالي، وتحديدًا مع روما، حيث قدم أفضل مواسمه على المستوى الفردي، ففي موسم 2016-2017، توج هدافًا للدوري الإيطالي، بعدما سجل 29 هدفًا، كما قاد الفريق إلى نصف نهائي دوري أبطال أوروبا.

وأثبت دجيكو خلال سنواته في إيطاليا أنه ليس مجرد مهاجم هداف، بل لاعب متكامل يجمع بين القوة البدنية والذكاء التكتيكي والخبرة الكبيرة.

وبعد روما، واصل مسيرته مع إنتر ميلان، قبل أن يخوض تجربة جديدة مع فنربخشة التركي، محافظا على مستواه رغم تقدمه في العمر.

دجيكو قائد الحلم البوسني

منذ ظهوره الأول بقميص منتخب البوسنة والهرسك عام 2007، أصبح إدين القائد والرمز الأول لكرة القدم في بلاده، ومع مرور السنوات، تحول إلى الهداف التاريخي للمنتخب وأكثر اللاعبين مشاركة في تاريخه، ليصبح الوجه الأبرز لجيل صنع أمجاد الكرة البوسنية.

2014.. التأهل الأول إلى كأس العالم

لعب دجيكو الدور الأبرز في قيادة البوسنة إلى أول تأهل في تاريخها لكأس العالم، وخلال التصفيات الأوروبية المؤهلة إلى مونديال البرازيل 2014، سجل 10 أهداف في 10 مباريات، ليحتل المركز الثاني في قائمة هدافي التصفيات الأوروبية خلف الهولندي روبن فان بيرسي.

كما ساهم في امتلاك البوسنة أحد أقوى خطوط الهجوم في القارة بعدما سجل المنتخب 30 هدفا خلال التصفيات.

وكانت بصماته حاسمة في أكثر من مباراة، إذ سجل “هاتريك” في الفوز على ليختنشتاين بنتيجة 8-1، وأضاف ثنائية أمام لاتفيا في الانتصار 4-1، كما سجل هدفين في الفوز المهم على اليونان بنتيجة 3-1، وهي المباراة التي مهدت الطريق نحو صدارة المجموعة والتأهل التاريخي.

في النهائيات، أوقعت القرعة البوسنة في مجموعة ضمت الأرجنتين ونيجيريا وإيران، وخسر المنتخب أمام الأرجنتين بنتيجة 2-1، ثم أمام نيجيريا بهدف من دون رد، قبل أن يحقق أول انتصار في تاريخه بكأس العالم بالفوز على إيران 3-1.

2026.. الحلم يتكرر

بعد أكثر من عقد على الظهور الأول، عاد دجيكو ليقود منتخب بلاده إلى كأس العالم 2026، مؤكدا أن القادة الحقيقيين لا يتقاعدون عن صناعة التاريخ.

ورغم بلوغه الأربعين من عمره، واصل المهاجم المخضرم لعب دور محوري داخل المنتخب، مستفيدا من خبراته الكبيرة وشخصيته القيادية، ليقود جيلاً جديدًا من اللاعبين نحو الظهور العالمي الثاني في تاريخ البوسنة.

أرقام تؤكد عظمة مسيرة دجيكو

تعكس أرقام دجيكو حجم مسيرته الاستثنائية، إذ حقق أرقاما مميزة منها

  • خاض 149 مباراة دولية مع منتخب البوسنة والهرسك.
  • سجل 73 هدفا دوليا.
  • يعد الهداف التاريخي لمنتخب بلاده.
  • يعد أكثر اللاعبين مشاركة بقميص البوسنة والهرسك.
  • سجل 66 هدفًا في الدوري الألماني مع فولفسبورغ.
  • سجل 50 هدفًا في الدوري الإنجليزي الممتاز مع مانشستر سيتي.
  • سجل 77 هدفًا في الدوري الإيطالي بقميص روما.
  • يعد من القلائل الذين سجلوا أكثر من 50 هدفًا في ثلاث من أكبر الدوريات الأوروبية.

أكثر من مجرد لاعب

بعيدا عن المستطيل الأخضر، ارتبط اسم دجيكو بالعديد من الأعمال الإنسانية داخل البوسنة، وبالتعاون مع زوجته أمرا، شارك في دعم الأطفال المرضى والأسر المحتاجة، وكان حريصًا على استغلال مكانته وشهرته لمساعدة أبناء بلاده.

ومن أبرز المواقف الإنسانية التي ارتبطت باسمه، دعمه لطفل بوسني كان يتلقى العلاج في مدينة مانشستر، حيث تكفل بمساعدة أسرته وحرص على زيارته بشكل متكرر داخل المستشفى لتقديم الدعم النفسي والمعنوي له.

قصة إدين دجيكو ليست مجرد مسيرة لاعب نجح في تسجيل الأهداف وحصد البطولات، بل رحلة إنسان تحدى الحرب والفقر والتشكيك، ليصبح رمزا وطنيا وأعظم لاعب في تاريخ البوسنة والهرسك.

ومن بين أنقاض سراييفو، خرج دجيكو ليؤكد أن الإصرار والعمل الجاد قادران على تحويل أصعب البدايات إلى قصص نجاح خالدة.



شاركها.
اترك تعليقاً