15 يونيو 2026
لقد طفح الكيل وبلغ السيل الزبى لجماهير تونس، إذ هناك لحظات في تاريخ الرياضة لا تكون فيها الهزيمة مجرد نتيجة تُسجل على لوحة إلكترونية، بل تتحول إلى مرآة قاسية تعكس حجم التصدعات التي تراكمت بكل صمت داخل المؤسسة.
وما حدث للمنتخب التونسي أمام السويد لم يكن سقوطًا عابرًا في مباراة عابرة، بل كان انكشافًا مدويًا لحقيقة حاول كثيرون تأجيل مواجهتها، والاختباء منها خلف الشعارات الرنانة والخطابات المطمئنة والوعود المؤجلة.
منتخب تونس أمام مفترق طرق.. شجاعة فإصلاح أم مكابرة فكارثة!
لقد وصلنا مع منتخب تونس إلى المرحلة التي لم يعد فيها ممكنًا تجميل المشهد أو إعادة طلاء الجدران المتشققة أو البحث عن مفردات مخففة تحفظ ماء وجه المسؤولين، فالأزمة التي انفجرت أمام أعين الجماهير لم تولد في تسعين دقيقة، ولم تتشكل بين ليلة وضحاها، بل كانت النتيجة الطبيعية لمسار طويل من الارتجال وسوء التقدير وتراكم الأخطاء التي لم تجد من يراجعها أو يحاسب أصحابها أو يوقف تمددها.
في مثل هذه اللحظات، تلجأ الإدارات المرتبكة عادة إلى الوصفة الأسهل والأكثر شيوعًا، وهي البحث عن شخص واحد لتحميله المسؤولية كاملة. مدرب يرحل، وبيان مقتضب يصدر، ووعود بالإصلاح تُطلق، ثم انتظار أن تهدأ العاصفة.
لكن الحقيقة التي لا يريد البعض سماعها هي أن الأزمات الكبرى لا يصنعها فرد واحد حتى تُعالج بإبعاد فرد واحد، قد يرحل المدرب اليوم، وقد يغادر غدًا، لكن السؤال الحقيقي ليس من سيرحل. السؤال الحقيقي هو هل سيرحل معه العقل الذي أنتج هذه الخيارات؟ هل ستغادر معه الثقافة الإدارية التي أوصلت الأمور إلى هذا المنحدر؟ هل ستختفي معه منظومة كاملة اعتادت إدارة الملفات بمنطق رد الفعل بدلًا من منطق التخطيط؟
أخطر ما يمكن أن يحدث بعد أي نكسة هو أن تتحول المحاسبة إلى عملية انتقائية تُسلط على الحلقة الأضعف، فيما يبقى أصحاب القرار الحقيقيون في مواقعهم يراقبون المشهد من بعيد وكأنهم لم يكونوا جزءًا منه، فالفشل عندما يبلغ هذا الحجم، لا يكون يتيمًا بل له آباء كثيرون، وله شركاء كثيرون، وله سلسلة طويلة من التوقيعات والقرارات والموافقات التي مهدت الطريق إليه خطوة بعد أخرى.
المؤسسات المحترفة لا تبدأ البحث عن المسؤول من عند آخر الحلقة، بل من أولها. لا تقيس المسؤولية بعدد الأهداف التي دخلت الشباك، بل تبحث عمن رسم الطريق الذي قاد إلى تلك اللحظة. تبحث عن صاحب القرار قبل صاحب التنفيذ، وعن من صاغ الرؤية قبل من أخطأ في تطبيقها. أما الاقتصار على التضحية بالمدرب فليس سوى محاولة لتغيير ستائر المنزل بينما أساساته تتصدع تحت الأرض.
في تونس لقد آن الأوان لأن يُطرح السؤال الذي جرى تأجيله طويلًا: كيف تُدار كرة القدم؟ من يقرر؟ وعلى أي أسس تُتخذ القرارات؟ وما المعايير التي تحكم التعيينات والاختيارات والمشاريع الرياضية؟ لأن المشكلة لا تكمن في خطأ وقع هنا أو هناك، بل في غياب منظومة تمنع تكرار الخطأ أصلًا. فالفرق بين المؤسسات الناجحة والمؤسسات المتعثرة لا يكمن في أنها لا تخطئ. الجميع يخطئ. لكن المؤسسات الكبرى تمتلك آليات تكتشف الخطأ مبكرًا، وتصوبه سريعًا، وتحاسب عليه بوضوح. أما المؤسسات المرتبكة فتتعامل مع الأخطاء بالطريقة ذاتها التي تتعامل بها مع الحرائق، ولا تتحرك إلا بعد أن يلتهم الحريق نصف المنزل.
إذا كانت للهزائم الكبيرة في كأس العالم أو غيره فائدة واحدة، فهي أنها تسقط الأقنعة دفعة واحدة. فهي تجرّد الخطاب الرسمي من زينته، وتكشف الفجوة بين ما يُقال وما يُفعل، وتضع الجميع أمام امتحان الصدق. إما الاعتراف بالفشل والبدء في إصلاح جذري وشجاع، وإما مواصلة الهروب إلى الأمام عبر البحث عن ضحية جديدة تُقدَّم للرأي العام باعتبارها سبب كل ما حدث.
لقد استنفدت الجماهير في تونس مخزون صبرها، ولم تعد تطلب معجزات، ولا بطولات خارقة، ولا وعودًا جديدة. ما تطلبه أبسط من ذلك بكثير، وضوح ومسؤولية ومحاسبة حقيقية لا تستثني أحدًا ولأن المؤسسات التي لا تتعلم من أخطائها محكوم عليها بإعادة إنتاجها، والرياضة التي لا تحاسب مسؤوليها تتحول تدريجيًا إلى رهينة للأخطاء ذاتها مهما تغيرت الأسماء والوجوه. أما اليوم، فلم يعد النقاش يدور حول مدرب باقٍ أو مدرب راحل. القضية أكبر من الأشخاص، وأعمق من النتائج، وأخطر من مباراة واحدة.
باتت القضية تتعلق بمنظومة كاملة تقف أمام مفترق طرق تاريخي. إما مراجعة شجاعة تعيد بناء الثقة من الأساس، وإما الاستمرار في تدوير الفشل، وتغيير العناوين، مع الإبقاء على المضمون نفسه. ففي نهاية المطاف قد يرحل المدرب، وقد يتغير اللاعبون، وقد تتبدل الوجوه، لكن شيئًا واحدًا لن يتغير ما لم يُمس أصل المشكلة.
المؤسسات التي تبحث دائمًا عن شماعة تعلق عليها أخطاءها تنتهي غالبًا وهي معلقة بأخطائها نفسها. وعندما تبلغ الأمور هذا الحد يصبح الصمت تواطؤًا وتصبح المجاملة خيانة للحقيقة، وتتحول المحاسبة من خيار إلى واجب لا يحتمل التأجيل.
