15 يونيو 2026

كنت قد قررت فكرة هذا المقال قبل أن تصنع الرأس الأخضر واحدة من كبرى مفاجآت كأس العالم بتعادلها أمام إسبانيا، وقبل أن تكبل اليابان هولندا وتجبرها على اقتسام النقاط، لكنهما جميعا قررا بإرادتهما أن يخدما الفكرة التي أريد مشاركتها معكم اليوم.

ما يشهده كأس العالم 2026 ليس وليد اللحظة، بل هو ظاهرة بدأت شرارتها الأولى في مونديال كوريا واليابان، ثم جاءت اليونان بما هو أعمق من مجرد مفاجأة، جاءت برسالة مفادها أن الأحصنة السوداء لم تعد تكتفي بدور صانعة الإثارة، بل باتت قادرة على الوصول إلى القمة. ومنذ تلك اللحظة، لم تتوقف الظاهرة عن النمو، حتى صارت اليوم قاعدة لا استثناء.

مونديال 2002 كان بيانا جماعيا من المفاجآت؛ كوريا الجنوبية وتركيا في نصف النهائي، والولايات المتحدة والسنغال في دور الثمانية. حتى من وصل إلى النهائي لم يصل بسهولة، فألمانيا لم تتجاوز المضيف الكوري إلا بهدف يتيم، وهي الطريقة نفسها التي أطاح بها البطل البرازيل بتركيا بهدف الظاهرة رونالدو.

مونديال 2006 لم يكن استثناء، بل كان حلقة في سلسلة، إذ بلغت أوكرانيا دور الثمانية، وتعثر العديد من الفرق الكبرى وعانت في مباريات لم يكن يحسم فيها أي شيء بسهولة. ومنذ تلك النسخة ترسخت العادة وباتت جزءا من طبيعة البطولة، حتى بلغت ذروة صورها في قطر، حين رفعت المغرب راية أفريقيا حتى نصف النهائي، وعادت كرواتيا لتقف مرة أخرى في المشهد، بعد وصولها إلى نهائي 2018 ونصف نهائي 2022.

الاحتراف والمعرفة يغيران قواعد كأس العالم

ما يحدث ليس صدفة، ولا هو ذلك “الحماس والقتالية” اللذان يحب البعض اختزال الأمر فيهما. الموضوع أعمق من ذلك، وينقسم إلى ناحيتين متكاملتين: معرفة لم تعد حكرا على أحد، ومدارس أوروبية باتت مفتوحة للعالم بأسره، في ظل قوانين تعاقد مرنة لا تعبأ بالجنسيات، وتجعل القدرات أولويتها.

منتخب الرأس الأخضر الذي تعادل مع إسبانيا أنزل إلى أرض الملعب عشرة لاعبين يحترفون في الخارج، 9 منهم في أوروبا وواحد في أمريكا. هذا الرقم ليس مجرد إحصاء، بل هو التفسير.

هؤلاء يتدربون يوميا بشكل مختلف، ما يحسن لديهم جودة القرار ويصقل مهاراتهم باستمرار، ويعلمهم كيف يتجنبون الهفوات غير المقبولة التي كانت في الماضي سببا في انهيار المنتخبات الصغرى حين تواجه من هو أكبر منها.

فضلا عن ذلك، تقوم هذه البيئة الاحترافية في جوهرها على الضغط. فاللاعب يصارع يوميا للحفاظ على مكانه وحماية مصدر رزقه، وحين يصل إلى كأس العالم يكون قد هضم هذا التوتر وتصالح معه. الثمانون أو التسعون دقيقة من ضغط مباراة المونديال لم تعد صدمة، بل هو روتين يعيشه كل أسبوع.

أضف إلى ذلك فضل شبكات التواصل الاجتماعي والإنترنت، فالمعرفة الكروية والتكتيكية والفنية لم تعد حكرا على أحد. الآن تجد طفلا يعرف معنى المهاجم الوهمي وكيف يتحرك، في حين كان الأمر قبل 20 عاما أشبه بقصة خيالية لا يفهمها كثيرون. فاللاعب العادي الآن يصل إلى المباراة وهو يعرف خصمه، وكيف يتحرك وكيف يلعب، ويعرف الأساسيات كلها، وجميع ذلك متاح بسهولة بكبسة زر على إحدى المنصات.

إن المعرفة تكسب الإنسان الثقة، والثقة تقلل من عامل الخوف، وهذا العامل كان في الماضي أحد أسرار انتصارات المنتخبات الكبرى بسهولة. فالخائف يفقد تركيزه، ويتخذ القرار الخطأ، بل إن توتره يستنزف لياقته البدنية والذهنية، وهذا ما كان يجعلنا نرى انهيار المنتخبات الصغرى في الدقائق الأخيرة.

هل انتهى عصر الفوارق الكبيرة؟

الآن تغير الوضع. معظم لاعبي المنتخبات المشاركة في كأس العالم إما لعبوا أو يلعبون في أوروبا، ومهاراتهم مصقولة. شاهدنا ذلك في لمسات اليابانيين القاتلة في مونديال 2022 والمونديال الحالي، ورأينا ذلك في أفكار الرأس الأخضر في الهجمات المرتدة. لقد أصبحت شخصياتهم أقوى، وثقتهم بأنفسهم أكبر، وبالتالي خسرت المنتخبات الكبرى كثيرا من العوامل التي كانت تجعل المباريات أسهل.

يجب أن نفهم أن عصر الكبار التقليديين انتهى على مستوى المباراة الواحدة. المفاجآت أصبحت جزءا طبيعيا من اللعبة، تماما كما نعيش ذلك في الدوريات الموسمية.

وعلى ذكر الدوريات، قد تكون النهايات متشابهة، إذ إن البطل غالبا ما يكون أحد الكبار التقليديين إلا في حالات استثنائية، لأن الجودة لها أحكام لا يمكن قهرها في كل مرة. وحتى اللحظة ما زالت المنتخبات الكبرى تملك متوسط الجودة الأعلى، لكن الأمر لا يبدو أبديا، لأن الفارق يتقلص من سنة إلى أخرى. وقد تظهر منتخبات كبرى جديدة في المستقبل، تماما كما ولدت أندية كبرى جديدة خلال السنوات العشرين الأخيرة.



شاركها.
اترك تعليقاً