9 يوليو 2026

نجح مونديال 2026 بتحقيق اختراق اجتماعي غير مسبوق على مستوى العالم، وكان ذلك مدفوعاً على الأغلب بتوسعة المونديال إلى 48 منتخباً، ما سمح بتأهل أكبر عدد ممكن من بعض المنتخبات المتعطشة للمشاركة في أمريكا الجنوبية والشمالية وآسيا وأفريقيا.

غير أن هذا الاختراق الاجتماعي، وفي ظل إقامة أول مونديال في زمن الذكاء الاصطناعي التوليدي، رافقته هيمنة من الأخبار الكاذبة والخرافات وهوس التوقعات، وربما وجد كثيرون متعة في ذلك، بينما كان يثير ازعاج كل من يدرك زيفه، ومع هيمنة شبكات التواصل الاجتماعي المعتمدة على المحتوى السريع، بدا هذا النوع من المحتوى هو الفائز.

مونديال الخرافات

بدأت الحكاية مع ظاهرة سمبسون، حيث وجد أحدهم مقطعاً قديماً لهذا المسلسل الأمريكي، واستطاع توليد صور إضافية بالذكاء الاصطناعي ليقوم بتوسعة السيناريو وغير القمصان، وبات سمبسون متوقعاً لفوز كل من البرتغال والبرازيل وألمانيا والبرازيل وهولندا والأرجنتين والمكسيك بلقب كأس العالم.

الناس تأثرت بهذا السيناريو، لأنها تحب أن يخبرها أحدهم بأن المنتخب الذي تشجعه سوف ينتصر، فانتشرت آلاف المقاطع بمعلومات مزيفة، كانت تخدع الناس بنشر مقاطع غير موجودة أصلاً في سمبسون، ثم استغل الباحثون عن التفاعل هذه الظاهرة، وباتوا ينشرون مقاطع معدلة جديدة بعد المباريات بالنتائج الحقيقية التي حدثت بالفعل، مما زاد من قناعة الناس أن سمبسون يعرف المستقبل، لأن معظمنا لا يدقق بتاريخ النشر!

وظهر لدينا دجال في غانا، أو ما يسمونه بعض الأحيان مشعوذًا أو ساحرًا، اسمه نانا كواكو بونسام، نجح حسب قناعات البعض بإيقاف هاري كين عندما واجه منتخب بلاده الغاني، لكن هذا الساحر فقد قدرته عندما واجه الساحر الحقيقي الموجود في الملاعب، فقد توقع خروج الأرجنتين أمام كاب فيردي، لكن ليونيل ميسي كان له كلمة أخرى.

اقرأ أيضًا

واستغل البعض خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي الحالية لتحقيق وصول كبير، من خلال صناعة عدة مقاطع تتوقع نتائج مختلفة للمباراة نفسها، ثم تتولى المنصات توزيع هذه المقاطع على جماهير مختلفة، فيظهر لكل شخص توقع معين وكأنه هو التوقع الوحيد المنشور.

أغلب الناس لا يدخلون إلى الحسابات ليتأكدوا من محتواها الكامل، ولا يبحثون إن كانت هذه الحسابات قد نشرت توقعات أخرى لنفس المباراة، حيث أصبحنا نكتفي غالبًا بالمقاطع السريعة التي تظهر أمامنا دون تدقيق.

وهنا استغل بعض الأشخاص هذه الثغرة، فحين يصادف أحد هذه مقاطع النتيجة الصحيحة فعلًا، يتهيأ للناس أن هناك حسابات تعرف النتائج مسبقًا أو تملك معلومات حقيقية، بينما الأمر في الغالب مجرد لعبة احتمالات وتوزيع ذكي للمحتوى.

وامتلأت منصات “X” و”فيسبوك” و”إنستغرام” بأخبار كاذبة لتهويل بعض الملفات، وصور قديمة يتم نشرها على أنها لحدث جديد، فالجميع أدرك أن ما يساعد على انتشار المحتوى ليس مدى أهميته ومصداقيته، بل مدى مفاجأته للناس، فهذه المفاجأة تؤدي للمشاركة (شير)، والمشاركة تدفع الخوارزمية لتوزيع المحتوى أكثر.

في الماضي، كانت الخرافات بالنسبة لنا مجرد أخطبوط أو فيل أو قطة تتوقع مباريات، لكنها الآن توسعت إلى محتوى مزيف مولد بالذكاء الاصطناعي، أو مكتوب بشكل طبيعي، أو مشعوذ ساعدته الصدفة في موقف، أو عشرات الحسابات التي باتت متخصصة بتوقع النتائج، لبناء قاعدة متابعين اليوم، من أجل استخدامها في المستقبل لغايات أخرى.

وهذا التحول يعكس حالة هوس عام بتحقيق تفاعل أو معدلات وصول أعلى، أو بناء قاعدة جماهيرية بغض النظر عن الوسيلة أو الطريقة، وربما تعكس أيضاً أزمة حقيقية بمدى تدني حس المسؤولية لدى البعض في شبكات التواصل الاجتماعي، لاعتقادهم أن نشر مثل هذه الخرافات والأفكار لا تؤثر على أحد، مع أنها في الحقيقة من أسباب فساد المنطق والتفكير البشري.

وما يخيفني أكثر أنني عندما أتصور مونديال 2030، أتخيل حاله أصعب مع تقدم الذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى، وتعلم البعض في هذا المونديال لتقنيات زيادة الانتشار، خصوصاً أنهم سيدركون أيضاً أن الناس تنسى السبب الذي تابعت لأجله أو تفاعلت مع حساب ما، لكنها تواصل متابعته والتفاعل معه.

شاركها.
اترك تعليقاً