توج باريس سان جيرمان بلقبه الثاني على التوالي في دوري أبطال أوروبا، ودخل معه مدربه الإسباني لويس إنريكي، الملقب بـ”لوتشو”، نادي المدربين الذين أحرزوا الكأس ذات الأذنين ثلاث مرات في مسيرتهم. لكن نهائي بودابست أمام أرسنال حمل لنا مدربًا تخلّى مؤقتًا عن بعض قناعاته من أجل اللقب، فكيف حدث ذلك؟
عرف لويس إنريكي منذ توليه تدريب فريق العاصمة الفرنسية بسعيه إلى بناء فريق شاب يلعب بروح جماعية، حيث يعمل جميع اللاعبين من أجل النادي ومن أجل بعضهم البعض. هذه الفلسفة قادته، بعد موسمه الأول، إلى دفع الفرنسي كيليان مبابي نحو باب الخروج، باعتباره لا يتماشى مع المشروع الذي رسمه المدرب الإسباني.
على مدار عامين، شرع لويس إنريكي في بناء فريقه لبنة لبنة. تعاقد مع البرتغالي الشاب جواو نيفيز وهو في التاسعة عشرة من عمره، ليضعه إلى جانب مواطنه المايسترو فيتينيا، ويشكّل معه ومع الإسباني فابيان رويز أحد أفضل ثلاثيات خط الوسط في أوروبا. ثلاثي بنى عليه المدرب فلسفته القائمة على التحكم في إيقاع المباريات والسيطرة على المنافسين.
كما تعاقد النادي مع المدافع الإكوادوري ويليان باتشو، الذي لم يكن معروفًا على نطاق واسع آنذاك، ليجاور المخضرم البرازيلي ماركينيوس في قلب الدفاع. وسرعان ما تطور مستواه ليصبح أحد أفضل المدافعين في العالم خلال فترة وجيزة، في اختيار يُحسب أيضًا للمدير الرياضي لويس كامبوس.
ومع استقرار مركزي الظهيرين بوجود المغربي أشرف حكيمي، الذي يقدم أفضل مستوياته في مسيرته، والبرتغالي نونو مينديش في الجهة اليسرى، أصبح باريس سان جيرمان فريقًا مرعبًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى. وترك هذا التوازن المجال لثلاثي الهجوم المكوّن من الجورجي خفيتشا كفاراتسخيليا، والفرنسيين عثمان ديمبيلي وديزيريه دوي، لإزعاج جميع المنافسين، وهو ما تجلى بوضوح في النسخة الماضية.
لويس إنريكي اتعظ من درس تشيلسي في كأس العالم للأندية
في بودابست، اعتقد الجميع أن المدرب الإسباني سيخوض النهائي بنفس الروح والأسلوب اللذين عُرف بهما مع فريقه، وربما كان هو نفسه يفكر بذلك قبل انطلاق المباراة. لكن الصدمة المبكرة بعد هدف كاي هافيرتز، ومعرفته بقوة دفاع أرسنال بقيادة الفرنسي ويليام ساليبا والبرازيلي غابرييل، إضافة إلى الانضباط الدفاعي الكبير للفريق اللندني، جعلته يدرك أن الاستحواذ الهجومي المعتاد قد لا يكون الحل هذه المرة.
أدرك “لوتشو” أن التقدم المبالغ فيه وترك المساحات قد يكلفانه اللقب، كما حدث له سابقًا في خسارته أمام تشيلسي في نهائي النسخة الأولى من كأس العالم للأندية. لذلك ركز على تعديل النتيجة بأقل قدر من المخاطرة، ثم تجنب الاندفاع الهجومي والضغط العالي المعتاد.
ولهذا شاهدنا باريس سان جيرمان يسيطر على الكرة بعد هدف التعادل دون صناعة فرص خطيرة كثيرة. كان الهدف الأساسي هو حرمان أرسنال من الاستحواذ أكثر من البحث المستمر عن التسجيل، وكأن إنريكي كان يبعث برسالة واضحة إلى ميكيل أرتيتا: “لن أمنحك الكرة كي لا تفاجئني بهدف قاتل”.
هل كانت ثقة إنريكي في حارسه سافونوف كبيرة؟
من تابع باريس سان جيرمان في دوري أبطال أوروبا خلال الموسمين الأخيرين، لم يكن ليتوقع أن يكتفي الفريق بهذا القدر من الحذر في الأشواط الإضافية. لكن المدرب الإسباني قدّم قراءة واقعية للمباراة، خاصة بعد خروج عدد من أبرز لاعبيه بسبب الإجهاد، مثل فيتينيا وديمبيلي وكفاراتسخيليا والقائد ماركينيوس.
وأدرك إنريكي أن البدلاء لا يملكون التأثير الفني نفسه الذي يسمح بمواصلة الضغط والاستحواذ المكثف، فاختار التريث واللعب على أعصاب المنافس، منتظرًا ركلات الترجيح التي ابتسمت له في النهاية، رغم أن الحارس ماتفي سافونوف لم يتصدَّ لأي ركلة.
لكن العامل النفسي كان حاضرًا بقوة، إذ بدا الضغط أكبر على أرتيتا ولاعبيه، الذين سقطوا في الفخ الذي نصبه المدرب الإسباني. وهكذا انتهى المشهد بلوتشو وهو يحمل الكأس الثانية تواليًا مع باريس سان جيرمان، مقدمًا درسًا جديدًا في عالم التدريب مفاده أن النجاح لا يكمن في التمسك الأعمى بأسلوب واحد، بل في القدرة على التأقلم مع ظروف المباراة وقراءة تفاصيلها بدقة.
دخل لويس إنريكي التاريخ سابقًا بفضل كرة هجومية جذابة احترمها الجميع، لكنه عاد ليؤكد في بودابست أن المدرب العظيم لا يُقاس فقط بطريقة لعبه، بل بقدرته على الفوز عندما تفرض المباراة شروطًا مختلفة.
في النهاية، لا يهم كيف تفوز.. المهم أن تفوز.
