20 يوليو 2026
قبل انطلاق كأس العالم، لم يكن الجدل في إسبانيا يدور حول خط الوسط أو الهجوم أو حتى الدفاع، بل حول مركز حراسة المرمى. إذ قدم ديفيد رايا موسمًا رائعًا مع أرسنال، بينما فرض خوان جارسيا نفسه كأحد أبرز المواهب الأوروبية بعد تألقه في الدوري الإسباني، وكان لكل منهما مبررات قوية ليكون الحارس الأساسي، لكن الاختيار كان لصالح أوناي سيمون.
حتى أوناي سيمون نفسه اعترف بقوة منافسيه وبالمستويات التي قدماها، ما جعل كثيرين يعتقدون أن المدرب لويس دي لافوينتي يواجه معضلة حقيقية في اختيار الحارس.
لكن داخل معسكر المنتخب، لم يكن هناك أي شك، حيث لم يتردد دي لافوينتي أبدًا في منح ثقته لسيمون، بل وصف الثلاثي قبل البطولة بأنهم “أفضل ثلاثة حراس مرمى في العالم”، مؤكدًا أن سيمون يمثل عنصرًا أساسيًا في هوية المنتخب، سواء عند الاستحواذ على الكرة أو بدونها.
وبنهاية البطولة، أثبت الحارس صحة هذه الثقة من مدربه، فقد رفع كأس العالم والقفاز الذهبي بعد واحدة من أفضل البطولات التي قدمها حارس مرمى في تاريخ المونديال.
اقرأ أيضًا:
أوناي سيمون يصنع التاريخ
رفع سيمون كأس العالم وجائزة القفاز الذهبي بعدما قدم واحدة من أبرز البطولات التي خاضها أي حارس مرمى هذا الصيف، فقد خرج بشباك نظيفة في سبع مباريات، مسجلًا رقمًا قياسيًا جديدًا في تاريخ كأس العالم للرجال. كما بلغت نسبة تصدياته 91.7%، وهي الأعلى بين جميع حراس البطولة.
وسجل أيضًا رقمًا قياسيًا آخر في كأس العالم، بعدما حافظ على نظافة شباكه لمدة 650 دقيقة متتالية، قبل أن ينجح منتخب بلجيكا أخيرًا في هز شباكه خلال الدور ربع النهائي. لكن هذه الأرقام لا تعكس القيمة الحقيقية لسيمون، بل في طريقته التي نستعرضها.
منع الفرص قبل أن تصبح تسديدات
أبرز ما يميز سيمون ليس التصديات، بل قدرته على منع الهجمة من الوصول أصلًا إلى مرحلة التسديد. فهو يعتمد على قراءة اللعب واستباق الأحداث، ويتوقع الخطر قبل حدوثه، وهو ما يسمح له بإفساد الهجمات مبكرًا
وتقوم إسبانيا عمدًا بجذب ضغط المنافس نحو حارسها، ثم استغلال المساحات التي يتركها الخصم خلفه، وهي خطة لا تنجح إلا بوجود حارس يمتلك هدوءًا كبيرًا وقدرة استثنائية على اتخاذ القرار.
كانت مواجهة فرنسا في نصف النهائي أفضل دليل على قيمته، فوجود كيليان مبابي يجبر معظم الحراس على التراجع نحو مرماهم بسبب سرعته، لكن سيمون فعل العكس. أمام فرنسا، ظهر هذا الأسلوب الاستباقي بوضوح، سواء عندما كانت الخطورة داخل منطقة الجزاء أو خارجها.
ففي أكثر من مناسبة، كان سيمون أول من يقرأ الموقف، فيتقدم بسرعة ليرتمي على الكرة عند أقدام المهاجمين، أو يندفع خارج مرماه لقطع الكرات خلف الدفاع الإسباني، ويحرم مبابي من فرصة الانفراد.

وفي نهائي كأس العالم أمام الأرجنتين، وبعد أقل من خمس دقائق، اندفع سيمون لمسافة تقارب 40 ياردة خارج مرماه ليقطع كرة بينية قبل وصول ليونيل ميسي إليها كما توضح الصورة أعلاه.
في الأخير سجل الحارس 22 تدخلًا كـ”حارس ليبرو” (Sweeper Keeper)، وهو أعلى رقم في البطولة.
وبعد أن ساعد إسبانيا على الفوز بدوري الأمم الأوروبية ويورو 2024، أضاف الحارس الإسباني إلى سجله كأس العالم 2026 والقفاز الذهبي، مؤكدًا مكانته بين أفضل حراس المرمى في العالم، في بطولة أثبتت أن دوره فيها يتجاوز كثيرًا مجرد التصدي للتسديدات.
ويعيد أداء سيمون إلى الأذهان ما قدمه مانويل نوير مع ألمانيا في كأس العالم 2014، عندما غيّر مفهوم “الحارس الليبرو” بقراءته المذهلة للمساحات خلف الدفاع.
