6 يونيو 2026

يدخل المنتخب السعودي كأس العالم 2026 وهو يحمل ذاكرة ثقيلة من النسخة الماضية، حين صنع واحدة من أكبر مفاجآت تاريخ المونديال بالفوز على الأرجنتين، قبل أن يغادر البطولة من دور المجموعات بعد الخسارة أمام بولندا والمكسيك.

كانت ليلة الأرجنتين عظيمة، ولا تزال حاضرة في وجدان الجماهير السعودية والعربية، لكنها في النهاية لم تكن كافية لصناعة مشوار طويل. لذلك، تبدو مشاركة «الأخضر» في مونديال 2026 مختلفة من حيث الفكرة والهدف؛ فالسعودية لا تبحث هذه المرة عن مفاجأة عابرة، بل عن تأهل حقيقي يغيّر شكل الحضور السعودي في كأس العالم.

درس 2022.. الفوز الكبير لا يكفي

في مونديال قطر 2022، قدّم المنتخب السعودي مباراة تاريخية أمام الأرجنتين، وقلب تأخره إلى فوز لا يُنسى بنتيجة 2-1، في واحدة من أكثر النتائج إثارة في تاريخ البطولة.

لكن بعد تلك الليلة، لم ينجح “الأخضر” في استكمال الطريق. خسر أمام بولندا، ثم سقط أمام المكسيك، ليودع البطولة من دور المجموعات رغم البداية المثالية.

هذا الدرس يجب أن يكون حاضرًا بقوة قبل مونديال 2026. الانتصار على منتخب كبير قد يصنع احتفالًا عالميًا، لكنه لا يضمن التأهل. والظهور الجيد في مباراة واحدة لا يكفي، إذا لم يتحول إلى نقاط وحسابات صحيحة ومشوار متوازن.

مجموعة صعبة.. وحسابات تحتاج إلى ذكاء

أوقعت القرعة المنتخب السعودي في مجموعة قوية تضم إسبانيا وأوروغواي وكاب فيردي، وهي مجموعة تحمل الكثير من التحديات، لكنها لا تغلق الباب أمام الطموح.

إسبانيا تمثل الاختبار الأصعب فنيًا، بفضل جودة لاعبيها وقدرتها على السيطرة على الإيقاع. وأوروغواي منتخب صلب، يملك خبرة كبيرة في كأس العالم، ويجيد التعامل مع المباريات البدنية واللحظات الحاسمة. أما كاب فيردي، فقد تكون المباراة التي لا تحتمل التفريط، لأنها قد تمثل مفتاح العبور إلى الدور التالي.

في مثل هذه المجموعة، لا يجب أن ينشغل المنتخب السعودي فقط بفكرة الفوز على إسبانيا أو صناعة عنوان عالمي جديد. الأهم هو إدارة المجموعة كاملة؛ كيف تجمع النقاط؟ كيف تحافظ على فارق الأهداف؟ وكيف تخرج من كل مباراة بأكبر مكسب ممكن؟

التأهل أهم من النتيجة الخادعة

قد يحقق منتخب ما تعادلًا لافتًا أمام فريق كبير، وقد يفوز في مباراة تاريخية، ثم يخرج في النهاية من الدور الأول. هذا ما يجب أن يتجنبه المنتخب السعودي في 2026.

الهدف الحقيقي ليس الاحتفال بنتيجة واحدة، بل الوصول إلى الدور التالي. فالمحصلة النهائية هي التي تبقى، وليس فقط لقطة الفرح المؤقتة.

قد تكون نقطة أمام إسبانيا مهمة، وقد يكون الفوز على كاب فيردي أهم من أداء بطولي أمام أوروغواي من دون نتيجة. وقد يكون الخروج بخسارة محدودة أمام منافس كبير أفضل من المغامرة المبالغ فيها، التي تفتح الباب أمام نتيجة ثقيلة تؤثر في حسابات أفضل الثوالث.

كأس العالم لا يكافئ دائمًا من يصنع أجمل لحظة، بل يكافئ من يعرف كيف يدير البطولة.

 النظام الجديد يمنح الأمل للمنتخب السعودي

النسخة الجديدة من كأس العالم تمنح المنتخبات فرصة أكبر للعبور، بعد زيادة عدد المشاركين وتغيير شكل البطولة، حيث يتأهل أصحاب المركزين الأول والثاني من كل مجموعة، إضافة إلى أفضل 8 منتخبات تحتل المركز الثالث.

هذا النظام يجعل الطموح السعودي مشروعًا. لم يعد المركز الثالث نهاية الطريق كما كان في السابق، بل قد يكون بوابة للتأهل إذا أحسن المنتخب إدارة مبارياته.

وهنا تصبح التفاصيل الصغيرة حاسمة: نقطة واحدة، هدف إضافي، بطاقة أقل، أو خسارة بفارق محدود قد تصنع الفارق في نهاية دور المجموعات.

لذلك، لا تحتاج السعودية إلى سيناريو مثالي، لكنها تحتاج إلى بطولة ذكية.

أمريكا تعيد ذكرى 1994

عودة كأس العالم إلى الولايات المتحدة تحمل رمزية خاصة للمنتخب السعودي. ففي مونديال 1994، حقق “الأخضر” أعظم إنجاز له في تاريخ البطولة، بعدما تأهل إلى دور الـ16 في مشاركة لا تزال حتى اليوم العلامة الأبرز في مسيرته العالمية.

في تلك النسخة، لم تكن السعودية تبحث عن مشاركة شرفية، بل قدمت فريقًا شجاعًا، وحققت نتائج كبيرة، وكتبت أسماء لاعبيها في ذاكرة المونديال، وعلى رأسهم سعيد العويران وهدفه الشهير أمام بلجيكا.

ومنذ ذلك الوقت، لم ينجح المنتخب السعودي في تكرار عبور دور المجموعات. لذلك، فإن العودة إلى أمريكا في 2026 تبدو وكأنها دعوة مفتوحة لاستعادة الحلم القديم، لكن بعقلية جديدة.

من الذاكرة إلى المشروع

الذاكرة وحدها لا تكفي. إنجاز 1994 يمكن أن يلهم اللاعبين، لكنه لن يتأهل بدلًا منهم. وما حدث أمام الأرجنتين في 2022 يمكن أن يمنح الثقة، لكنه لا يجب أن يتحول إلى عبء أو معيار يطارد الفريق في كل مباراة.

المنتخب السعودي يحتاج إلى تحويل الذكريات إلى مشروع عملي. مشروع يبدأ من الانضباط الدفاعي، ويمر بالواقعية في التعامل مع المنافسين، وينتهي باستغلال الفرص القليلة التي تظهر في مثل هذه البطولات.

الفوز الكبير جميل، لكن التأهل أجمل. والمفاجأة تصنع العنوان، لكن المشوار يصنع التاريخ.

مهمة صعبة وليست مستحيلة

لا يمكن التقليل من صعوبة المجموعة. إسبانيا وأوروغواي منتخبان يملكان تاريخًا وخبرة وجودة عالية، وكاب فيردي لن يكون خصمًا سهلًا في بطولة بهذا الحجم.

لكن في الوقت نفسه، لا تبدو المهمة مستحيلة. النظام الجديد يمنح مساحة أكبر للحلم، والمنتخب السعودي يملك خبرات مونديالية سابقة، كما أن دوري روشن أصبح يضع اللاعبين السعوديين في احتكاك يومي مع أسماء عالمية، وهو ما يفترض أن يقلل الرهبة في مواجهة الكبار.

المطلوب أن يدخل «الأخضر» البطولة بعقلية واضحة: لا نبحث عن مباراة واحدة للتاريخ، بل عن 3 مباريات تقود إلى الدور التالي.



شاركها.
اترك تعليقاً