2 يونيو 2026
لم تكن رحلة المنتخب السعودي في كأس العالم مجرد محطات متفرقة بين الفوز والخسارة، بل شهدت مباريات بعينها صنعت تحولات حقيقية في صورة “الأخضر”، وغيّرت موقعه في ذاكرة البطولة، من منتخب يظهر للمرة الأولى، إلى طرف قادر على كتابة واحدة من أكبر مفاجآت المونديال.
ومع استعداد السعودية للمشاركة في كأس العالم 2026 ضمن المجموعة الثامنة إلى جانب إسبانيا وأوروغواي والرأس الأخضر، تبدو العودة إلى هذه المباريات كأنها قراءة في جذور الحكاية قبل فصل جديد ينتظره الجمهور السعودي.
بداية المنتخب السعودي.. كسر حاجز الرهبة
في 20 يونيو/ حزيران 1994، دخل المنتخب السعودي أول مباراة في تاريخه بكأس العالم أمام هولندا، أحد المنتخبات الأوروبية الكبيرة آنذاك. كانت التوقعات تميل بوضوح لصالح “الطواحين”، لكن “الأخضر” قدّم نفسه للعالم بصورة أكثر جرأة مما توقع كثيرون.
سجل فؤاد أنور أول هدف سعودي في تاريخ كأس العالم، ورغم أن هولندا فازت 2-1، فإن تلك المباراة بقيت لحظة تأسيسية؛ لأنها كسرت رهبة الظهور الأول، وأثبتت أن منتخب السعودية لم يصل إلى المونديال ليكون ضيفًا عابرًا.
أول فوز فتح باب الحلم
بعد الخسارة أمام هولندا، كان المنتخب السعودي بحاجة إلى نتيجة تعيد إليه الأمل، وجاءت مواجهة المغرب لتصبح أول انتصار سعودي في تاريخ كأس العالم.
فاز “الأخضر” 2-1، بعدما سجل سامي الجابر وفؤاد أنور، ليحصل السعوديون على أول 3 نقاط مونديالية في تاريخه. لم يكن الفوز مهمًا لأنه جاء في مباراة عربية فقط، بل لأنه نقل السعودية سريعًا من مرحلة “الظهور الجيد” إلى مرحلة “صناعة النتائج”.
تلك المباراة غيّرت نبرة المشاركة السعودية في مونديال 1994، ومنحت اللاعبين ثقة كبيرة قبل مواجهة بلجيكا، حيث بدأ حلم التأهل إلى الدور الثاني يتحول من احتمال بعيد إلى هدف ممكن.
العبور التاريخي
تبقى مباراة بلجيكا واحدة من أهم مباريات المنتخب السعودي على الإطلاق. لم تكن فقط مباراة هدف سعيد العويران الشهير، بل كانت المباراة التي نقلت “الأخضر” إلى دور الـ16 في أول مشاركة مونديالية.
في 29 يونيو/ حزيران 1994، فاز المنتخب السعودي على بلجيكا 1-0 بهدف العويران، ليتأهل من مجموعته ويكتب أفضل إنجاز له في تاريخ كأس العالم. قيمة المباراة أنها منحت السعودية مكانًا بين كبار البطولة، وجعلت نسخة 1994 مرجعًا دائمًا لكل مشاركة سعودية لاحقة.
من تلك الليلة، لم يعد الحديث عن المنتخب السعودي مرتبطًا بالمشاركة الأولى فقط، بل بمنتخب آسيوي استطاع أن يتجاوز الدور الأول ويترك هدفًا أسطوريًا في ذاكرة المونديال.
مباراة صنعت رقم الجابر
قد لا تبدو مباراة تونس في مونديال 2006 بحجم مباريات 1994 أو الفوز على الأرجنتين عام 2022 من حيث الصدى العالمي، لكنها تحمل قيمة تاريخية خاصة جدًا في سجل المنتخب السعودي.
انتهت المباراة بالتعادل 2-2، وسجل ياسر القحطاني وسامي الجابر هدفي الأخضر. هدف سامي، الذي جاء بعد دخوله بدقائق، لم يكن هدفًا عاديًا؛ لأنه جعله أول لاعب سعودي يسجل في 3 نسخ مختلفة من كأس العالم، بعدما سبق له التسجيل في 1994 و1998.
تلك المباراة غيّرت موقع الجابر في الذاكرة المونديالية السعودية، ورسخت فكرة أن كأس العالم لا يحفظ النتائج فقط، بل يحفظ أيضًا لحظات اللاعبين الذين يعبرون الأجيال.
فوز سعودي بعد انتظار طويل
بعد سنوات طويلة دون انتصار مونديالي، دخل المنتخب السعودي مباراة مصر في كأس العالم 2018 وهو يبحث عن نهاية تحفظ صورته في البطولة.
تقدم المنتخب المصري أولًا عبر محمد صلاح في الدقيقة 22، قبل أن يدرك سلمان الفرج التعادل من ركلة جزاء في الوقت بدل الضائع من الشوط الأول، وفي الدقيقة 95، ظهر سالم الدوسري وسجل هدف الفوز 2-1، ليمنح “الصقور الخضر” أول انتصار في كأس العالم منذ عام 1994.
كانت المباراة مهمة لأنها أعادت شعور الفوز إلى المنتخب السعودي بعد 24 عامًا، كما فتحت صفحة خاصة بين سالم الدوسري والمونديال، قبل أن يتحول لاحقًا إلى أحد أبرز رموز “الأخضر” في كأس العالم.
الليلة التي هزت العالم
في 22 نوفمبر/ تشرين الثاني 2022، كتب السعوديون واحدة من أكبر مفاجآت تاريخ كأس العالم، بعد الفوز على الأرجنتين 2-1 في ملعب لوسيل.
تقدم ليونيل ميسي من ركلة جزاء، لكن “الأخضر” عاد في الشوط الثاني عبر صالح الشهري وسالم الدوسري خلال دقائق قليلة، ليقلب المباراة أمام منتخب دخل البطولة بسلسلة طويلة دون هزيمة، ثم واصل طريقه لاحقًا نحو التتويج باللقب.
ولم تغيّر تلك المباراة تاريخ المنتخب السعودي فقط، بل غيّرت صورته عالميًا في ليلة واحدة. أصبح “الأخضر” حديث الصحافة والجماهير، وتحوّل الفوز إلى لحظة وطنية كبرى، ورسالة بأن السعودية قادرة على صناعة الدهشة أمام أعظم المنتخبات.
المنتخب السعودي.. تاريخ تصنعه المباريات الكبرى
ومن هولندا 1994 إلى الأرجنتين 2022، لا تبدو هذه المباريات مجرد صفحات قديمة في أرشيف كأس العالم، بل محطات صنعت شخصية المنتخب السعودي في البطولة.
وبينما يستعد “الأخضر” لخوض مونديال 2026، للمرة السابعة في تاريخه، تبقى هذه المباريات دليلًا على أن تاريخ السعودية في كأس العالم لم يُكتب بعدد المشاركات فقط، بل بلحظات كبرى غيّرت المسار، وتركت أثرًا لا يزول.
