3 يوليو 2026

عاشت الجماهير المغربية احتفالات هستيرية، عقب الملحمة الدراماتيكية التي قاد فيها الحارس الأسطوري ياسين بونو منتخب المغرب لإقصاء المنتخب الهولندي بركلات الترجيح في دور الـ32، بينما كان هناك في الضفة الأخرى، وتحديدا في كندا، جرح غائر ينزف صمتا وحسرة على ضياع جوهرة كروية ولدت فوق أراضيها، لكن قلبها انتمى بالكامل لعرين الأسود.

 

تأتي هذه الموقعة المونديالية المرتقبة لتضع الحارس البالغ من العمر 35 عاما وجها لوجه، وللمرة الثانية على التوالي في تاريخ كأس العالم، أمام البلد الذي شهد صرخته الأولى، وهو المولود في كندا، ليعاد شريط الحسرة الكندية التي تدرك جيدا أن بونو هو السد المنيع الذي حطم كبرياء الكبار في قطر 2022، ويعود اليوم ليكرر السيناريو ذاته في مونديال 2026.

 

وتحمل هذه المواجهة أبعادا عاطفية وتاريخية مثيرة، فبونو ولد لأبوين مغربيين في مقاطعة “لابيل” بكيبك الكندية، ورغم أن عائلته قررت الهجرة والعودة إلى الدار البيضاء، عندما كان في سن الثالثة فقط من عمره، إلا أن هذا الرابط الجغرافي ظل يلاحقه كعلاقة غريبة واستثنائية مع بلد قدر له أن يواجهه في دورتين متتاليتين من المونديال، محولا حلم الكنديين في امتلاك حارس عالمي إلى كابوس حقيقي، يقف في طريق أحلامهم.

اقرأ أيضًا

ياسين بونو يواجه مسقط رأسه في كأس العالم وسط حسرة كندية

وفي عالم مواز، وبسيناريو تكتيكي آخر، ربما كان بونو يقف اليوم على الجانب الآخر من الملعب، مدافعا عن ألوان “الحمر”، حيث تعود تفاصيل القصة إلى عام 2012 عندما اتصل به مدرب كندا السابق، الإسباني بينيتو فلورو، في محاولة جادة لإقناعه وتوجيه الدعوة له لتمثيل تشكيلة منتخب كندا، قبل أن يرتبط رسميًا بالمغرب، غير أن حارس المرمى الأفضل في أفريقيا كان حاسما في اختياره، مؤكداً أن أسود الأطلس هم فقط من حركوا شغفه واهتمامه.

 

رغم أن ياسين بونو ولد في مونتريال، لكنه نشأ وترعرع على الأراضي المغربية وتشرب ثقافة الوداد، وكان قد اختبر نفسه بالفعل في صفوف الفئات السنية للمنتخب الوطني المغربي في ذلك الوقت، حيث كان يثق بيقين مطلق في أنه سيخترق الصفوف ليصل إلى الفريق الأول، وهو الحدس الذكي الذي أتى بثماره سريعا، حيث يقترب بونو اليوم من خوض 100 مباراة دولية مذهلة ومطرزة بالإنجازات التاريخية رفقة أسود الأطلس.

 

وتتضاعف حسرة الشارع الرياضي الكندي والصحافة المحلية عند تذكر مآثر هذا العملاق، فالجمهور الهولندي تذوق مرارة براعته في صد ركلات الترجيح، وهو الإنجاز الذي ليس غريبا على حارس قاد بلاده لنصف نهائي مونديال 2022 بتصديه لركلتي ترجيح أمام إسبانيا في ثمن النهائي، حيث كان بونو حينها صمام الأمان في الفوز على كندا في دور المجموعات بنتيجة (2-1)، في مباراة لم تهتز فيها شباكه إلا بهدف عكسي من نيران صديقة.

 

هذه النجومية الطاغية لبونو، الذي يواصل توهجه التنافسي مع نادي الهلال السعودي منذ عام 2023، بعد مسيرة أوروبية حافلة بالذهب مع إشبيلية وجيرونا وأتلتيكو مدريد، يتابعها مدرب كندا الحالي جيسي مارش بكثير من القلق، مارش الذي كان حاضرا في المدرجات وشاهد بونو وهو يطيح بالطواحين الهولندية، يتمنى في داخله ألا يضطر لرؤية هذا السيرك التكتيكي الفتاك يتكرر أمام مهاجميه في مباراة الموت أو العبور.

 

ومن المفارقات الرقمية المثيرة التي تزيد من خصوصية هذه القمة الإقصائية، أن كلا الحارسين الأساسيين المتوقعين في مباراة دور الـ16 بين كندا والمغرب، قد ولدا في مقاطعة كيبك الكندية، فبينما ولد بونو في مونتريال، ولد الحارس الكندي الحامي لعرين “الحمر”، ماكسيم كريبو، في منطقة جرينفيلد بارك، ما يجعلها معركة مغلفة بلكنة كندية خالصة، لكن بروح قتالية مغربية خالصة تسعى لالتهام الأخضر واليابس.

 

ودخل المنتخب الكندي هذه المرحلة بعد سيناريو دراماتيكي مثير، حيث حجز تذكرته الخاصة إلى دور خروج المغلوب بفضل تسديدة قاتلة في اللحظات الأخيرة من النجم ستيفن أوستاكيو، أرسلت منتخب جنوب أفريقيا إلى الديار، لتصبح دولة إفريقية أخرى هي الحاجز الصعب والمعقد القائم على طول مسار طموحات الدولة المستضيفة، التي تحلم بالذهاب بعيداً في البطولة وسط جماهيرها.

وبين عبق الذكريات الكندية في مونتريال، والولاء المطلق لراية المملكة المغربية، يدخل ياسين بونو المواجهة وكأنه يسكب الملح على جرح كندا الغائر، جرح يذكرهم في كل دقيقة بما كان يمكن أن يكون لو أن هذا “الجدار العالمي” اختار حماية عرين كندا، لكنه اليوم يقف بثبات في هيوستن، متسلحا بخبرة نصف نهائي كأس العالم 2022، ومصمما على قيادة المغرب لكتابة فصل جديد من الأمجاد وإقصاء بلد المولد بلا عاطفة.

شاركها.
اترك تعليقاً