9 يونيو 2026

عندما وصل منتخب المغرب إلى نصف نهائي كأس العالم 2022، لم يكن الأمر مجرد مفاجأة عابرة أو قصة استثنائية بل كان انعكاسًا لمشروع كروي طويل المدى نجح في صناعة لاعب قادر على التكيف مع أعلى مستويات كرة القدم الحديثة.

منتخب المغرب أصبح أول منتخب عربي وأفريقي يبلغ نصف النهائي، من خلال توليفة متكاملة شملت الانضباط التكتيكي، والروح الجماعية العالية، إلى جانب إستراتيجية وطنية متكاملة لتطوير المواهب الكروية.

ومع اقتراب كأس العالم 2026، يعود السؤال داخل الكرة المصرية: هل يستطيع الدوري المصري إنتاج لاعبين بالمواصفات نفسها التي ظهر بها المغرب؟ وهل البيئة المحلية الحالية تجهز المنتخب الوطني لمنافسة عالمية حقيقية؟

كان المنتخب المغربي يحتل المركز الثاني والعشرين في تصنيف الفيفا قبل كأس العالم 2022، أما الآن، فيحتل المركز السابع، مقتربًا من نخبة كرة القدم، ومتقدمًا على منتخبات مثل بلجيكا وألمانيا.

نقص الاحتراف الأوروبي 

المقارنة هنا ليست فقط بين بلدين وأفكار تخص كرة القدم، بل بين فلسفتين مختلفتين في صناعة اللاعب، والاحتراف الحقيقي في أوروبا، والوصول لأفضل مستويات كرة القدم.

ساعد في تألق المنتخب المغرب في قطر ضمه 14 لاعبًا ولدوا خارج البلاد من بينهم حارسه ياسين بونو وقد اكتسب هؤلاء اللاعبون خبرة كبيرة في اللعب في بطولات أوروبية كبرى.

في منتخب مصر حاليًا هناك اثنان فقط في أوروبا يلعبون بصفة أساسية هما ثنائي الهجوم محمد صلاح وعمر مرموش، أما محمد عبد المنعم وهيثم حسن وإبراهيم عادل وحمزة عبد الكريم فليسوا من الركائز الأساسية.

الدوري المصري كان ركيزة في تفوق جيل حسن شحاتة في بطولة كأس أمم أفريقيا، لكنه فشل في الوصول لكأس العالم، وصحيح أنه قدم مستويات مميزة أمام منتخبات كبيرة مثل البرازيل وإيطاليا في كأس القارات 2009، لكن حسن شحاتة هو من طور هذا الجيل عندما كان مدربًا للشباب، لكن ما خطة الكرة المصرية الحالية؟

المنتخب المغربي دخل مونديال قطر بأغلبية لاعبين نشأوا أو تطوروا داخل منظومة أوروبية، سواء في فرنسا أو إسبانيا أو بلجيكا أو إيطاليا، وهو ما منح الفريق قدرة واضحة على التعامل مع النسق البدني السريع والالتزام التكتيكي العالي.

وبالتالي كان اللاعب المغربي معتادًا على مواجهة أفضل المدارس الكروية أسبوعيًا، لذلك ظهر المنتخب منظمًا، سريعًا في التحولات، وقادرًا على تنفيذ التفاصيل الصغيرة تحت ضغط المباريات الكبرى.

مدربون على أعلى مستوى

كثير من المدربين في مصر لا يمتلكون الرخصة الأفريقية pro وهذا يدل على نقص كبير في التأهيل، عكس المدربين المغاربة الذين يخضعون لفترات معايشة حتى في الخارج، ويتألقون بشكل لافت حتى مع المنتخبات العربية الأخرى مثل جمال السلامي مع منتخب الأردن، ومن قبله الحسين عموتة، وهناك وليد الركراكي ومحمد وهبي بطل العالم للشباب.

بفضل جودة الركراكي الفنية، كان دفاع المغرب حديديًا إذ اعتمد الفريق معه على تنظيم دفاعي صارم، واللعب بكتلة متراصة، والانتقال السريع والفعال في الهجمات المرتدة. وقد استقبلت شباك المغرب هدفاً واحداً فقط بالخطأ في مرماه طوال طريقه لنصف النهائي أمام أقوى منتخبات العالم.

وفي المقابل فإن المدرب داخل الدوري المصري يعمل غالبًا تحت ضغط النتيجة الفورية، وهو ما يقلل فرص بناء مشروع طويل المدى ولا يمنح الوقت الكافي لتطوير اللاعبين الشباب.

أكاديمية محمد السادس كلمة السر

في مصر لا معنى للأكاديميات تقريبًا أو لا وجود لها، في المقابل جاء هذا الإنجاز المغربي كثمرة لإستراتيجية طويلة الأمد أطلقها المغرب قبل سنوات، والتي كان من أهم ركائزها الاستثمار في البنية التحتية وإنشاء أكاديمية محمد السادس لتخريج وتطوير المواهب وفق المعايير العالمية.

أما في مصر، فما تزال عملية تطوير المواهب تعتمد بدرجة أكبر على الاجتهاد الفردي أو الأندية الجماهيرية الكبرى، دون وجود مشروع موحد لصناعة اللاعب الحديث. ورغم أن الدوري المصري يملك قوة جماهيرية وإعلامية كبيرة، فإن ذلك لا ينعكس دائمًا على تطوير جودة اللاعب من الناحية البدنية والتكتيكية أو على تسهيل احترافه خارجيًا في سن مبكرة.

وربما تكشف المقارنة بين المنتخبين نقطة مهمة للغاية: الموهبة وحدها لم تعد كافية في كرة القدم الحديثة. اللاعب في كأس العالم يحتاج إلى سرعة ذهنية، وقدرة بدنية عالية، وانضباط تكتيكي، وخبرة مستمرة أمام مستويات متنوعة من المنافسة. وهذه العناصر تظهر غالبًا من خلال بيئة كروية قوية تفرض على اللاعب التطور يوميًا، وليس فقط عبر المباريات الدولية.

تجربة المغرب في مونديال 2022 قدمت نموذجًا واضحًا لما يمكن أن تصنعه الاستمرارية والتخطيط، بينما تبدو الكرة المصرية حتى الآن أمام تحدٍ حقيقي لإعادة تشكيل طريقة إعداد اللاعب المحلي. ومع اقتراب مونديال 2026، قد يكون السؤال الأهم هل البيئة الكروية الحالية قادرة بالفعل على إنتاج لاعب يناسب التنافس في كأس العالم والذهاب بعيدًا في البطولة؟

شاركها.
اترك تعليقاً