1 يونيو 2026
يدخل المنتخب السعودي كأس العالم 2026 وهو يحمل سؤالًا مهمًا لا يتعلق فقط بقوة المجموعة أو شكل المنافسين، بل بهوية القائد الفني داخل الملعب: هل ما زال «الأخضر» قادرًا على الاعتماد الكامل على سالم الدوسري؟ أم أن الوقت حان لظهور وجه جديد يقود الجيل المقبل؟
لا يمكن التقليل من قيمة سالم الدوسري في تاريخ الكرة السعودية. هو واحد من أعظم اللاعبين السعوديين في العقد الأخير، وصاحب لحظات لا تُنسى، وعلى رأسها هدفه التاريخي أمام الأرجنتين في كأس العالم 2022. كما يتصدر قائمة هدافي المنتخب السعودي في تاريخ كأس العالم بالتساوي مع سامي الجابر، وهو رقم يكشف مكانته الكبيرة في ذاكرة «الأخضر».
لكن كرة القدم لا تعيش على الذكريات وحدها.
سالم الدوسري.. قيمة تاريخية لا خلاف عليها
سالم الدوسري ليس لاعبًا عاديًا في المنتخب السعودي. هو اللاعب الذي اعتاد حمل المسؤولية في المباريات الكبرى، والجناح الذي امتلك شخصية الحسم، والاسم الذي ارتبط بأهم لحظة سعودية في المونديال خلال السنوات الأخيرة.
وجوده يمنح المنتخب خبرة، ثقة، وشخصية في الثلث الأخير. لذلك، لا يجب أن يكون النقاش حول استبعاده أو التقليل منه، بل حول طريقة استخدامه، وحول ضرورة ألا يبقى المنتخب معتمدًا عليه وحده في صناعة الفارق.
فالمنتخبات التي تذهب بعيدًا في كأس العالم لا تعيش على لاعب واحد، مهما كان اسمه أو تاريخه. وحتى إن حضر سالم في 2026، فإن «الأخضر» يحتاج إلى أكثر من مصدر للخطورة.
الموسم الأخير يطرح سؤالًا صعبًا
رغم القيمة الكبيرة لسالم الدوسري، فإن الموسم الأخير لم يكن الأفضل له على مستوى الدوري. لم يظهر اللاعب بنفس النسخة الحاسمة التي اعتادت الجماهير رؤيتها، كما أن عامل العمر بدأ يفرض نفسه على النقاش الفني.
سالم لم يعد في بداية مسيرته، ومع اقتراب كأس العالم 2026، يصبح من المنطقي أن يفكر الجهاز الفني في كيفية تقليل الضغط عنه، بدل مطالبته بحمل المنتخب كاملًا في كل مباراة.
قد يكون سالم حاضرًا بخبرته ولمساته الحاسمة، لكنه لا يجب أن يكون الخطة الوحيدة. المنتخب السعودي يحتاج إلى أن يتحول من فريق ينتظر لحظة من سالم، إلى فريق يملك عدة حلول هجومية وشخصيات قادرة على تحمل المسؤولية.
مصعب الجوير.. عقل جديد للمنتخب السعودي
من الأسماء التي يمكن أن تمنح المنتخب السعودي شكلًا مختلفًا في كأس العالم 2026، يبرز مصعب الجوير، نجم القادسية وصاحب الـ22 عامًا.
الجوير قدم موسمًا لافتًا، بعدما سجل 7 أهداف وقدم 12 تمريرة حاسمة، وهي أعلى حصيلة له خلال موسم واحد. هذه الأرقام لا تعكس فقط لاعبًا موهوبًا، بل لاعب بدأ يتحول إلى صانع تأثير حقيقي في الثلث الأخير.
ما يميز مصعب أنه لا يلعب بنفس طريقة سالم، بل يمنح المنتخب نوعًا آخر من الحلول. يستطيع الربط بين الوسط والهجوم، صناعة الفرص، التمرير بين الخطوط، والتحرك في المساحات الذكية. وهذا بالضبط ما يحتاجه المنتخب إذا أراد تنويع مصادر الخطورة.
في كأس العالم، قد لا تملك السعودية الكرة كثيرًا أمام بعض المنافسين، لذلك تصبح جودة التمريرة الأخيرة والقرار السريع أهم من الاستحواذ الطويل. وهنا قد يكون الجوير أحد المفاتيح المهمة لدونيس.
خالد الغنام.. موسم انفجار هجومي
الاسم الثاني الذي يفرض نفسه بقوة هو خالد الغنام، لاعب الاتفاق صاحب الـ25 عامًا، والذي قدم أفضل مواسمه من حيث الأرقام.
الغنام سجل 13 هدفًا وقدم 7 تمريرات حاسمة خلال الموسم الحالي، وهي أعلى حصيلة له خلال موسم واحد، ما يجعله واحدًا من أبرز اللاعبين السعوديين الهجوميين قبل كأس العالم.
أهمية خالد الغنام لا تكمن في الأرقام فقط، بل في نوعية الحلول التي يمنحها. لاعب سريع، مباشر، قادر على تهديد المرمى، ولا يخشى الدخول إلى مناطق التسجيل. وهذا النوع من اللاعبين مطلوب بشدة في بطولة قصيرة مثل كأس العالم، حيث يمكن لهجمة واحدة أو انطلاقة واحدة أن تغيّر مصير المباراة.
إذا كان سالم الدوسري يمثل الخبرة والذاكرة، فإن الغنام يمثل الاندفاع والطاقة والجرأة. والمنتخب السعودي يحتاج إلى هذا التوازن بين الماضي والحاضر.
دور دونيس.. صناعة منتخب لا يعتمد على نجم واحد
هنا يظهر الدور الحقيقي لجورجوس دونيس. المدرب اليوناني لا يحتاج فقط إلى اختيار أفضل 26 لاعبًا، بل إلى بناء منتخب لا يتوقف على اسم واحد.
دونيس يعرف الدوري السعودي جيدًا، ويدرك طبيعة اللاعب المحلي، لكنه أمام تحدٍ أكبر في كأس العالم: كيف يصنع منظومة تمنح سالم الدوسري دوره دون أن تجعل كل شيء مرتبطًا به؟ وكيف يفتح الباب أمام مصعب الجوير وخالد الغنام وغيرهما ليصبحوا شركاء في القيادة لا مجرد بدلاء ينتظرون الفرصة؟
المنتخب السعودي في 2026 يحتاج إلى توزيع المسؤولية. سالم قد يكون حاضرًا في لحظة حاسمة، لكن مصعب يجب أن يصنع، والغنام يجب أن يهدد، ولاعبو الوسط يجب أن يتحملوا الضغط، والدفاع يجب أن يمنح الفريق ثباتًا يسمح للهجوم بالتحرك.
الخروج من ظل سالم لا يعني نسيانه
الفكرة الأساسية ليست أن المنتخب السعودي يجب أن يتخلى عن سالم الدوسري، بل أن يتحرر من فكرة الاعتماد الكامل عليه.
الخروج من ظل سالم لا يعني محو تاريخه، بل احترامه بطريقة صحيحة. اللاعب الكبير يصبح أكثر خطورة عندما لا يكون وحيدًا. فإذا عرف المنافس أن كل مفاتيح السعودية تمر من سالم، تصبح مهمة إيقاف «الأخضر» أسهل. أما إذا وجد المنتخب أكثر من مصدر للخطورة، فسيصبح سالم نفسه أكثر حرية وأقل ضغطًا.
وهذا هو التحول الذي يحتاجه المنتخب السعودي في كأس العالم 2026: من منتخب ينتظر البطل الفردي، إلى منتخب يملك مجموعة من الأبطال الصغار القادرين على الظهور في الوقت المناسب.
كأس العالم 2026.. فرصة لجيل جديد
كأس العالم 2026 قد تكون نقطة فاصلة في شكل المنتخب السعودي. سالم الدوسري سيبقى اسمًا مهمًا، وربما يكون حاضرًا في لحظة جديدة من لحظات المجد، لكن البطولة يجب أن تكون أيضًا فرصة لتقديم أسماء تقود المستقبل.
مصعب الجوير وخالد الغنام ليسا مجرد خيارات إضافية، بل قد يكونان جزءًا من عملية انتقال ضرورية داخل المنتخب. جيل جديد يحتاج إلى الثقة، والدقائق، والمسؤولية، لا إلى الانتظار حتى تنتهي مرحلة سالم بالكامل.
المنتخبات الذكية لا تنتظر رحيل نجومها الكبار لتبحث عن بدائل، بل تبدأ صناعة البديل وهو لا يزال يتعلم من القائد.
