19 يوليو 2026
تعيد المباريات النهائية لبطولة كأس العالم التي ينظمها الاتحاد الدولي لكرة القدم كل أربع سنوات، رسم ملامح التاريخ الكروي من خلال لحظات تتجاوز حدود النتائج والألقاب، ومشاهد ظلت حاضرة في ذاكرة الجماهير، بعدما ارتبطت بقصص إنسانية، ومواقف صنعت جزءا من هوية البطولة.
على مدار أكثر من تسعين عاما، شهدت نهائيات كأس العالم أهدافا أسطورية، وقرارات تحكيمية مثيرة، ومواجهات لا تنسى.
لكن ذاكرة الجماهير لم تحتفظ فقط بمن سجل أو من رفع الكأس، بل حفظت صورا صامتة كانت أبلغ من آلاف الكلمات؛ لاعب يبكي، وآخر يبتسم، وثالث يمشي مطأطأ الرأس، ورابع يخلد ذكرى صديق رحل في أكثر لحظات حياته مجدا.
وفي هذا التقرير من “winwin” نستعرض في الأسطر التالية أبرز اللقطات التي صنعت تاريخ البطولة، من دموع الانكسار إلى لحظات المجد.
بيليه والقبعة المكسيكية.. عندما توج “الملك” بالألوان
كان مونديال 1970 في المكسيك يحمل أكثر من خصوصية، فهو أول كأس عالم ينقل تلفزيونيا بالألوان إلى ملايين المشاهدين حول العالم، وكأن كرة القدم كانت تستعد لتقديم أعظم عروضها البصرية.
وفي قلب ذلك العرض وقف بيليه، الذي لم يعد مجرد نجم برازيلي، بل أصبح الوجه العالمي للعبة، قاد منتخب بلاده إلى الفوز على إيطاليا برباعية تاريخية، مؤكدا هيمنة البرازيل على جيل كامل من كرة القدم، ومحولا اللقب الثالث إلى تتويج نهائي لأسطورته.
لكن الصورة التي بقيت خالدة لم تكن في أثناء تسجيل الأهداف، بل بعد صافرة النهاية. اجتاحت الجماهير أرضية ملعب أزتيكا، وحُمل بيليه على الأكتاف، عاري الصدر، بينما استقرت على رأسه القبعة المكسيكية الشهيرة.
اقرأ أيضًا
لم يكن المشهد احتفالا برازيليا فقط، بل بدا وكأنه احتفال العالم كله بالرجل الذي أعاد تعريف كرة القدم الجميلة.
تحولت تلك الصورة إلى رمز لزمن كامل؛ زمن كانت فيه الكرة مرادفا للفرح الخالص، وأصبح بيليه منذ تلك اللحظة “الملك” الذي لا ينافسه أحد على العرش.
مارادونا.. من ابتسامة أزتيكا إلى دموع الأولمبيكو
إذا كانت كرة القدم تبحث عن لاعب جسد أقصى درجات المجد والانكسار، في نهائي كأس العالم، فلن تجد أفضل من دييغو أرماندو مارادونا.
في صيف 1986، بدا مارادونا أكبر من البطولة نفسها، حمل الأرجنتين فوق كتفيه طوال المنافسات، ثم قادها في النهائي أمام ألمانيا الغربية.
وبينما كانت الأنظار تتجه نحو خورخي بوروتشاغا، وهو ينطلق ليسجل هدف الفوز، كان الجميع يعلم أن تلك اللحظة بدأت من عقل مارادونا، الذي صنع الفارق في كل تفاصيل البطولة.
وعندما رفع الكأس الذهبية في ملعب أزتيكا، بدا المشهد وكأنه تتويج لاعب هزم العالم بأكمله. ابتسامته، وطريقته في احتضان الكأس، ونظراته إلى المدرجات، كلها رسمت صورة البطل الذي بلغ قمة المجد.
لكن كرة القدم لا تمنح امتيازات دائمة؛ فبعد أربع سنوات فقط، عاد مارادونا إلى النهائي، وهذه المرة في العاصمة الإيطالية روما؛ خسرت الأرجنتين أمام ألمانيا بركلة جزاء أثارت جدلا واسعا، وما إن أطلق الحكم صافرة النهاية حتى انهار القائد الأرجنتيني باكيا.
لم تكن دموعه عادية، كان يبكي بحرقة طفل، بينما كانت صافرات الاستهجان تنهمر من مدرجات الأولمبيكو، بدا الرجل الذي حكم العالم قبل أربع سنوات وحيدا أمام ملايين المشاهدين، عاجزا عن إخفاء ألمه.
روبرتو باجيو.. الرجل الذي مات واقفا
قليلون هم اللاعبون الذين حملوا منتخبا كاملا، كما فعل روبرتو باجيو في مونديال الولايات المتحدة 1994.
قاد باجيو إيطاليا إلى النهائي بسلسلة من الأهداف الحاسمة، وأصبح الأمل الوحيد لجماهير “الأتزوري” في طريق استعادة اللقب العالمي، لكن المباراة النهائية أمام البرازيل انتهت من دون أهداف، لتحسم لأول مرة في التاريخ عبر ركلات الترجيح.
تقدم باجيو لتنفيذ ركلته، وكانت إيطاليا مطالبة بالتسجيل للإبقاء على آمالها، ارتفعت الكرة فوق العارضة، وانتهى كل شيء، ووقف باجيو في لقطة أصبحت إحدى أشهر صور الرياضة عبر التاريخ.
رأسه انحنى إلى الأسفل، يداه تستقران على خصره، عيناه معلقتان بالأرض، وصمت مطبق يحيط به رغم صخب عشرات الآلاف في المدرجات.
لم يصرخ، ولم ينهر، ولم يبحث عن أعذار. فقط وقف هناك، كأن الزمن توقف للحظة واحدة.
ولهذا أطلق كثيرون على تلك الصورة وصف “الرجل الذي مات واقفا”، لم يكن المقصود موتا حقيقيا، بل انكسارا نادرا، يجسد كيف يمكن لثانية واحدة أن تطغى على بطولة كاملة، وكيف قد يتحول البطل الذي حمل شعبا بأكمله إلى أكثر رجل يشعر بالوحدة في العالم.
زيدان يمر بجوار الكأس.. نطحة غيرت مسار النهائي
كان كل شيء يبدو معدا لنهاية مثالية؛ زين الدين زيدان، أحد أعظم لاعبي جيله، يخوض آخر مباراة في مسيرته، ويسجل هدفا من ركلة “بانينكا” أمام إيطاليا في نهائي 2006، ويقترب خطوة جديدة من كتابة خاتمة أسطورية.
لكن الدقيقة 110 غيرت كل شيء؛ استدار زيدان فجأة، ووجه نطحة شهيرة إلى صدر ماركو ماتيراتزي، فسقط المدافع الإيطالي أرضا، قبل أن يشهر الحكم البطاقة الحمراء في وجه قائد فرنسا.
ورغم أن النطحة أصبحت أشهر لقطة في المباراة، فإن الصورة الأكثر خلودا جاءت بعدها مباشرة. غادر زيدان أرض الملعب ببطء، متجها نحو النفق المؤدي إلى غرف الملابس، بينما كانت كأس العالم الذهبية تقف على المنصة إلى جواره، مر بمحاذاتها، مطأطأ الرأس، من دون أن ينظر إليها.
في تلك الثواني القليلة، بدا الأمر أقرب إلى مشهد درامي؛ المجد يقف على بعد خطوات، لكن صاحبه يبتعد عنه بإرادته، تاركا وراءه نهاية لم يكن أحد يتوقعها.
إنييستا لم ينس صديقه
في نهائي 2010، احتاجت إسبانيا إلى 116 دقيقة حتى تسجل هدفها التاريخي أمام هولندا؛ سجل أندريس إنييستا هدف الفوز، وانطلقت احتفالات المنتخب الإسباني بأول لقب عالمي في تاريخه.
لكن اللاعب الهادئ لم يكتف بالاحتفال. خلع قميصه ليكشف عن قميص داخلي كتب عليه: “Dani Jarque, siempre con nosotros”، أي: داني خاركي.. ستبقى معنا دائما.

اختار أندريس إنييستا أن يوجه تحية مؤثرة إلى صديقه وقائد إسبانيول داني خاركي، الذي رحل بشكل مفاجئ قبل عام إثر أزمة قلبية، خلال أكثر لحظات مسيرته الكروية مجدا. وبينما كان يحتفل بأكبر إنجاز له مع إسبانيا، حرص إنييستا على مشاركة فرحته مع شخص غاب عن المشهد، لكنه ظل حاضرا في ذاكرته.
ميسي.. البشت الذي أصبح جزءا من ذاكرة المونديال
ربما لم يحمل لاعب في العصر الحديث عبئا نفسيا، كما حمله ليونيل ميسي في رحلته نحو كأس العالم.
بعد خسارة نهائي 2014، عاش سنوات طويلة من المقارنات مع مارادونا، والأسئلة التي لا تنتهي حول قدرته على قيادة الأرجنتين إلى المجد العالمي.

وعندما وصل إلى نهائي قطر 2022، كان يدرك أن الفرصة قد لا تتكرر، وبعد واحدة من أعظم المباريات النهائية في تاريخ كأس العالم، قاد الأرجنتين إلى التتويج على حساب فرنسا، ليطوي صفحة امتدت ثمانية أعوام من الانتظار والضغوط.
لكن المشهد الذي خلد تلك الليلة لم يكن رفع الكأس وحده، بل اللحظة التي سبقت ذلك مباشرة، حين كرمه الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير دولة قطر، بالبشت الأسود المطرز بخيوط ذهبية، قبل أن يتقدم لرفع كأس العالم أمام أنظار الملايين.
تحول البشت الذي ارتداه ميسي إلى الرمز البصري الأبرز لمونديال قطر؛ وأصبح علامة ارتبطت بأعظم لحظة في مسيرة النجم الأرجنتيني، وجسدت امتزاج الإرث الثقافي للبلد المضيف بأكبر حدث كروي على وجه الأرض.
ولهذا بقيت صورة ميسي مرتديا البشت وهو يرفع الكأس مختلفة عن كل صور التتويج السابقة في تاريخ كأس العالم؛ إذ لم توثق انتصار الأرجنتين فحسب، بل وثقت أيضا هوية أول نسخة من البطولة أقيمت في دولة عربية، لتصبح واحدة من أكثر الصور تداولا وخلودا في تاريخ الرياضة الحديثة.
