23 يونيو 2026

ما زال منتخب تونس يعيش على وقع الارتدادات القوية لمشاركته الكارثية في كأس العالم 2026، التي دشّنها على نحو صادم بخسارتين مزلزلتين أمام كل من السويد (5-1) ثم اليابان (4-0)، ما دفع الكثيرين للاعتقاد بأنّ الحضور المونديالي السابع لـ”أحفاد قرطاج” قد يمرّ من مرحلة الخيبة المتكررة إلى مهزلة حقيقية مكتملة الأركان.

حديث الجماهير الرياضية التونسية اليوم لم يعد يتعلق بتحليل النتائج الصادمة أو مردود لاعبي المنتخب أو حتى المسببات التي أوصلته إلى هذا المشهد المهين أمام العالم، وإنما باتت المخاوف كبيرة وحقيقية من أن تصبح مواجهة هولندا المقبلة العسيرة والأخيرة في دور المجموعات بوابة لحدث سلبي تاريخي لن يُمحى، قد يلعب فيه منتخب تونس مجددًا -وهو المتوقع- دور “حصالة المجموعة” أو الضحية المفضلة.

المحنة التي يمر بها زملاء حنبعل المجبري في المونديال الحالي تتجاوز حدود التقييم الحيني، فهي خلاصة سنوات من التخريب والانهيار والسياسات العشوائية، ولكنّ الأسوأ هو أنّ الأمور قد تتطور من نكسة تضاف إلى قائمة المشاركات المحبطة، إلى ما هو أعمق وأخطر وأكثر إهانة لكل من يمثل هذه اللعبة في البلاد.

من القمة العالمية إلى قاع المونديال!

عرفت تونس سقوطًا حرًا غير مبرّر من قمة منتخبات العالم إلى قاع النسخة الحالية للمونديال، لأسباب يسهل الكشف عنها ولكنها أيضًا لا تفسّر الانهيار الصادم على مستوى المردود والنتيجة.

ما لا يعرفه البعض أنّ المنتخب التونسي بلغ نهائيات كأس العالم 2026 برصيد هو الأفضل من بين جميع المنتخبات المتأهلة للمونديال بين كل القارات، حيث حقق 9 انتصارات مع تعادل يتيم من مجموع 10 مباريات، واللافت أنّ شباكه لم تهتز ولو لمناسبة وحيدة، هذا الرقم هو ما يزبد من غرابة ما حدث للمنتخب في المونديال، الذي باتت فيه شباكه “ملهى” يرتع فيه مهاجمو منتخبات المجموعة السادسة، حيث تلقت شباك الحارسين مهيب الشامخ وأيمن دحمان 9 أهداف في مباراتين فقط، مع إمكانية ارتفاع الحصيلة أمام هولندا صاحبة الأداء الهجومي الكاسح.

التفسير المنطقي لهذا التناقض الصارخ يتمثل في أنّ هذا الرقم الباهر ظاهرًا كان خادعًا ومزيّفًا للحقائق بالنسبة للتونسيين، الذين حققوا “إنجازهم” في التصفيات المؤهلة للمونديال بين منتخبات “صف ثالث وربما رابع” مع حفظ المقامات، فالحديث عن ناميبيا وليبيريا ومالاوي وغينيا الاستوائية وساو تومي وبرنسيب لا يستوي في حضور نوعية أخرى من المنافسين كهولندا واليابان والسويد.

الدفاع ليس المذنب الوحيد

بالعودة إلى تحديد المسؤوليات في رقعة الميدان قبل خارجه، من المجحف أن نتّهم خط الدفاع لوحده بارتكاب “الكوارث” الحاصلة في المونديال، فعلاوة على أنّ المسؤولية جماعية بالأساس، لأنّ الدفاع منظومة متكاملة تبدأ من ضغط المهاجمين في الخط الأمامي إلى إرهاق المنافسين في خط الوسط قبل وصولهم إلى الخط الخلفي الأخير وحارس المرمى، فالمسألة ليست عمل أفراد بقدر ما هي جهد جماعي متجانس، قوامه الدعم والمعاضدة.

ولكن كل ما فات، لم يكن لمنتخب تونس منه نصيب، فالأخطاء جاءت من كل حدب وصوب، من حراسة المرمى إلى المدافعين إلى خط الوسط، ولعلّ “الهدف الهدية” الذي منحه القائد إلياس السخيري لنجم السويد ألكسندر غيوكيريس في المباراة الافتتاحية، الدليل الأبرز على حالة الضياع والتفكك الجماعي الذي يعيشه المنتخب.

الدفاع كمنظومة في المنتخب ككل، تأثر أيضًا بتراجع لافت لأغلب الركائز الأساسية على غرار منتصر الطالبي وعلي العابدي ويان فاليري وحارسي المرمى دحمان والشامخ وغيرهم، فالنسخة الفردية الأسوأ من كل لاعب مع غياب التجانس بفعل العشوائية التكتيكية والتغييرات الكثيرة التي عرفتها قائمة وتشكيلة المنتخب في ظرف وجيز، أضرت هي الأخرى بتماسك الفريق وتجانسه.

مباراة هولندا تنذر التونسيين بمهزلة غير مسبوقة

في خضم هذه الإحباطات التي لا حصر لها فرديًا وجماعيًا، يبقى منتخب تونس مطالبًا -رغم توديعه المونديال- بترميم معنوياته وتحفيز نفسه بشعار “مُكرَه أخوك لا بطل”، لأنّ عدم حدوث صحوة لازمة على جميع الأصعدة في المواجهة الختامية لدور المجموعات أمام هولندا، قد ينجرّ عنه دفع ضريبة غالية وتكبد مهزلة غير مسبوقة، قد تقضي على ما تبقى من معنويات هذا المنتخب، المقبل على ارتدادات وقرارات تاريخية حسب التوقعات، بعد نهاية هذه الكأس العالمية.

ما يجعل لمباراة هولندا معنى للتونسيين، هو طموحات “الطواحين” نفسها في المواجهة، حيت سيسعى أبناء المدرب رونالد كومان بدورهم لحصد فوز كبير أمام المنتخب التونسي بهدف تأمين صدارة المجموعة وتجنب الاصطدام بالكبار انطلاقًا من دور الـ32 القادم، وهو ما يعتبر مطلبا مهددًا في ظل منافسة اليابان أيضًا على خطف الصدارة، واقع يجعل تونس في حالة رعب من مغبة تكبد هزيمة تاريخية جديدة.

تونس مهددة بأسوأ حصاد مونديالي في التاريخ

الأشد إيلامًا لجماهير تونس في مونديال 2026، ليس تلقي الهزائم الثقيلة الواحدة تلو الأخرى فحسب، وإنما توجههم بقوة لأن يكونوا أصحاب أسوأ سجل في تاريخ المنتخبات المشاركة في هذا الحدث العالمي.

أول الإحصائيات تؤكد أنّ المنتخب التونسي بات قريبًا من إنهاء مشاركته بلا أي نقطة في عداده لأول مرة عبر تاريخه، كما أنها المرة الأولى التي تتلقى فيها شباكه 9 أهداف، حطمت حصيلة مونديال 2018 (تلقت 8 أهداف طيلة مباريات الدور الأول)، والمفاجأة أنّ هذه الأرقام السلبية التاريخية جاءت مباشرة بعد نسخة قطر 2022، التي حقق فيها التونسيون أفضل حصيلة في تاريخهم رغم فشلهم في التأهل إلى الدور الثاني، بحصدهم 4 نقاط من فوز وتعادل وهزيمة، كما لم تستقبل شباكهم سوى هدف وحيد.

رقم آخر ختامي سلبي لتونس في المونديال الحالي، سيقرّبه أكثر من أن يكون صاحب أسوأ سجل لمنتخب في تاريخ نهائيات كأس العالم، حيث فشل في عبور محطة الدور الأول خلال 7 مشاركات، ولم يكن أسوأ منه سوى منتخب إسكتلندا الذي عجز عن بلوغ الهدف ذاته، ولكن المؤسف أن المنتخب الإسكتلندي قد ينجح في بلوغ هدفه خلال مشاركته الحالية الثامنة مع تحقيقه الفوز على هايتي (1-0)، وبالتالي قد تبقى تونس وحدها قابعة في خانة “المنتخب الأسوأ” من بين كل من وطأت أقدامهم أرض المونديال منذ أول نسخة في عام 1930 وحتى اليوم.



شاركها.
اترك تعليقاً