8 يونيو 2026

لم يكن كثيرون يتوقعون أن يدخل المنتخب السعودي كأس العالم 2026 تحت قيادة مدرب جديد تم تعيينه قبل أسابيع قليلة فقط من ضربة البداية، لكن المشهد تغيّر سريعًا بعدما أنهى الاتحاد السعودي لكرة القدم حقبة الفرنسي هيرفي رينارد، واتجه للتعاقد مع اليوناني جورجيوس دونيس حتى عام 2027.

هنا تحديدًا تبدأ صعوبة المهمة؛ فدونيس لا يستلم منتخبًا في بداية دورة إعداد، ولا يملك رفاهية التجارب الطويلة، بل يدخل مباشرة إلى قلب التحدي، في بطولة عالمية تقام بالولايات المتحدة وكندا والمكسيك، ووسط مجموعة معقدة تضم أوروغواي وإسبانيا والرأس الأخضر.

وجاء تعيين مدرب المنتخب السعودي قبل أقل من شهرين على انطلاق كأس العالم، ليجد دونيس نفسه أمام مهمة شديدة التعقيد: إعادة ترتيب الفريق سريعًا، تثبيت أفكاره، اختيار قائمته النهائية، ثم دخول البطولة دون فترة إعداد مثالية.

ورغم ضيق الوقت، لم يكن اختيار دونيس غريبًا تمامًا عن البيئة السعودية. فالمدرب البالغ من العمر 56 عامًا يعرف الكرة المحلية جيدًا، بعدما سبق له تدريب الهلال والوحدة والفتح والخليج، كما يملك تجربة ناجحة مع الهلال حقق خلالها كأس الملك وكأس ولي العهد والسوبر السعودي.

هذه المعرفة قد تكون الورقة الأهم في يده؛ لأنه لا يبدأ من الصفر في فهم اللاعب السعودي أو طبيعة الدوري أو الضغوط الجماهيرية المحيطة بالمنتخب، لكن امتلاك الخبرة المحلية شيء، والاستعداد لمونديال خلال أسابيع قليلة شيء مختلف تمامًا.

الوقت.. الخصم الأصعب قبل المنافسين

عادة ما يحتاج أي مدرب جديد إلى أشهر طويلة من أجل ترسيخ فلسفته الفنية وبناء الانسجام داخل المجموعة، لكن دونيس وجد نفسه مضطرًا لاختصار كل ذلك في فترة قصيرة ومباريات ودية محدودة.

حتى التجارب الودية حملت رسائل متباينة؛ فقد خسر المنتخب السعودي أمام الإكوادور بنتيجة 2-1، قبل أن يحقق فوزه الأول تحت قيادة دونيس على بورتوريكو بثلاثية نظيفة، في مباراة توقفت قرابة ساعتين بسبب العواصف الرعدية والبرق، ثم استُكملت بأهداف سلطان مندش وعبد الله الحمدان وسالم الدوسري.

ورغم أن الانتصار منح “الأخضر” دفعة معنوية مهمة، فإنه لا يخفي حجم العمل المطلوب قبل ضربة البداية، خاصة أن المنتخب السعودي يبحث عن إنجاز لم يحققه منذ مونديال الولايات المتحدة 1994، وهو تجاوز الدور الأول.

مجموعة المنتخب السعودي لا تمنح الهدايا

إذا كان الوقت يمثل التحدي الأول لدونيس، فإن القرعة تمثل التحدي الثاني، فالمنتخب السعودي يبدأ مشواره أمام أوروغواي، ثم يصطدم بإسبانيا، قبل أن يختتم الدور الأول بمواجهة الرأس الأخضر.

وعلى الورق، تبدو المجموعة مليئة بالتفاصيل الصعبة؛ أوروغواي بصلابتها البدنية وخبرتها اللاتينية، وإسبانيا بجودتها الفنية وعمقها الهجومي، والرأس الأخضر بطموح منتخب يخوض تجربة تاريخية ويريد استغلال أي فرصة للظهور.

وفي نسخة تضم 48 منتخبًا، يتأهل أول وثاني كل مجموعة إلى دور الـ32، إلى جانب أفضل 8 منتخبات تحتل المركز الثالث، وهذا يعني أن المنتخب السعودي لا يحتاج فقط إلى نتيجة كبيرة، بل إلى إدارة ذكية للتفاصيل الصغيرة: فارق الأهداف، الانضباط الدفاعي، لحظات التركيز، واستغلال أنصاف الفرص.

ماذا يملك دونيس؟

رغم صعوبة المشهد، لا يبدأ دونيس من الصفر بالكامل، فالمدرب اليوناني يعرف عددًا كبيرًا من اللاعبين بحكم عمله الطويل في الدوري السعودي، كما تسلّم مجموعة تضم عناصر صاحبة خبرة دولية مثل سالم الدوسري ومحمد كنو وسعود عبد الحميد وحسان تمبكتي وفراس البريكان.

ويبدو توجه دونيس أقرب إلى الأمان والخبرة، وهو أمر منطقي في ظل ضيق الوقت؛ فالمدرب الذي لا يملك مساحة طويلة للتجريب يبحث عادة عن لاعبين يعرفون بعضهم جيدًا، ويمتلكون القدرة على تنفيذ التعليمات سريعًا تحت الضغط.

كما أن عودة نواف العقيدي قبل البطولة قد تمنح الجهاز الفني دفعة مهمة في مركز حساس، بعد فترة من القلق حول جاهزيته، خاصة أن مركز حراسة المرمى يبقى من أكثر التفاصيل تأثيرًا في بطولة قصيرة مثل كأس العالم.

بداية قد تحدد كل شيء

مباراة أوروغواي تبدو مفتاحًا مهمًا في مشوار المنتخب السعودي خلال كأس العالم 2026، فنتيجة إيجابية في اللقاء الأول قد تغيّر حسابات المجموعة بالكامل، بينما الخسارة الثقيلة قد تضع الفريق تحت ضغط هائل قبل مواجهة إسبانيا.

أما لقاء إسبانيا، فسيكون الامتحان الفني الأعلى؛ لأن المنتخب السعودي لن يكون مطالبًا فقط بالدفاع المنظم، بل بالقدرة على الخروج بالكرة تحت الضغط وتقليل فترات السيطرة الإسبانية الخطيرة.

وتبقى مواجهة الرأس الأخضر فخًا نفسيًا محتملًا؛ فهي تبدو الأقل صعوبة على الورق، لكنها قد تكون حاسمة في حسابات التأهل، خاصة أمام منتخب يدخل البطولة بطموح كبير ودون ضغوط ضخمة.

مهمة صعبة.. لكنها ليست مستحيلة

دونيس وصل في توقيت لا يُحسد عليه، وهذا وحده كافٍ لوصف المهمة بأنها شديدة الصعوبة. لكنه يملك في المقابل بعض ما يساعده: معرفة سابقة بالكرة السعودية، مجموعة لاعبين أصحاب خبرة، وقائد قادر على صناعة الفارق، ونظام بطولة يمنح أصحاب المركز الثالث فرصة إضافية للعبور.

قد لا يكون المطلوب من المدرب اليوناني بناء منتخب جديد في أسابيع، بل اتخاذ القرارات الصحيحة في اللحظات الحاسمة: اختيار التشكيل الأنسب، حماية الفريق من الانهيار، استغلال خبرة سالم وسعود وكنو وبقية العناصر، ثم التعامل بواقعية مع كل مباراة على حدة.

وإذا نجح المنتخب السعودي في عبور الدور الأول للمرة الأولى منذ إنجاز 1994، فإن قرار تعيين دونيس قبل المونديال بشهرين فقط لن يُقرأ باعتباره مغامرة خطيرة، بل ربما يتحول إلى واحدة من أكثر القرارات جرأة في تاريخ المنتخب السعودي الحديث.



شاركها.
اترك تعليقاً