15 يوليو 2026

لم يكن فوز إسبانيا على فرنسا هو الصدمة، فنحن نتحدث عن نصف نهائي كأس عالم بين منتخبين كبيرين، والفوز لأي فريق لن يكون مفاجئاً، لكن المثير للانتباه في التفوق الإسباني كان طريقته، حيث الهيمنة المطلقة، والسيطرة الكاملة.

لم تلعب إسبانيا ضد فرنسا وهي تملك نجوماً أفضل منها، صحيح أن معها لامين يامال، لكنه ليس بأفضل أحواله، ورودري الذي بدأ المونديال وهو يبحث عن استعادة مستواه، لكن باقي اللاعبين معظمهم من اللاعبين الذين ينظر لهم خلال الموسم بأنهم جيدون جداً، وليسوا من خانة الأعظم في مراكزهم.

أخذتني الذاكرة إلى وضع إسبانيا ما بعد فترة تراجع 2014-2016، فانتبهت أن هذا المنتخب كان يرسل لنا إشارات لنتعلم منها، لكننا لم نكن نأخذها على محمل الجد بسبب النتائج، لكنه كان يقول لنا “أنا أستطيع تقديم أفضل مما تتوقعون مني”.

اقرأ أيضًا

فالمنتخب الإسباني غادر كأس العالم 2018 و 2022 بركلات الترجيح، وكان الطرف المسيطر في مباريات خروجه، لكنه لم يسجل أهدافاً كافية للفوز، وفي أمم أوروبا 2021، بدأ دور المجموعات بشكل عادي، لكنه تطور لاحقاً ليكون المنتخب الوحيد الذي تفوق على بطل تلك النسخة إيطاليا في الملعب، وكان أخطر، ولولا ركلات الترجيح لكان لعب النهائي.

كل تلك السنوات، كان المنتخب الإسباني يلعب بلاعبين أقل جودة من الفريق الحالي، ودكة أقل تأثيراً، صحيح كانت بعض الأسماء الحالية موجودة، لكنها كانت في بداياتها، لدرجة أننا نذكر رودري يدخل احتياطياً أمام إيطاليا في نصف النهائي الأوروبي.

ارتفعت الجودة قليلاً، زادت الخبرة، وتعددت الأدوات في الدكة، لتصبح إسبانيا بطل أمم أوروبا 2024، وتلعب نهائي 2026 على مستوى العالم، وبغض النظر عن نتيجة المباراة التي ستلعبها، فهناك درس مهم لنا، يمكن أن نستفيد منه لبناء منتخبات أفضل، بل أندية أفضل.

إسبانيا تسيطر بفلسفتها

عندما سيطرت إسبانيا على فرنسا دفاعياً وهجومياً ، كانت تقوم بذلك بفلسفتها، دون أي تغيير تكتيكي حقيقي عما اعتادت اللعب فيه، وكانت تفعل ذلك بسهولة مدهشة، وهنا يظهر الدرس الذي أتحدث عنه، درس ثقافة كرة موحدة في البلاد.

حضرت ندوة خاصة، تم جمع عدة مدربين من إسبانيا فيها، وكان أحد المستثمرين يبحث وقتها عن شراء ناد في إسبانيا، لكنه يريد أن يلعب بأسلوب مختلف، فأخبره جميع المدربين نفس الجملة “يجب أن تلعب في إسبانيا بالضغط العالي وأسلوب التمرير القصير، مهما كان حجم الفريق، وإلا هذا سيكون بمثابة الانتحار”.

هذه الثقافة الكروية الموحدة، التي يلعب فيها جميع الأعمار في كافة الأندية الإسبانية، قد تختلف حدتها وشدتها، لكنها تتفق على ذات المبادئ والنهج، وهذا ما يجعل إسبانيا تقريباً المنتخب الوحيد الذي لا يتغير فيه شيء عندما يقوم بتبديلات، لا تشعر أن التوازن قد اهتز، أو أن النظام قد فقد استقراره.

البداية من الأكاديميات

المسألة في إسبانيا لا تتعلق بلعب منتخبات الفئات العمرية بنفس الأسلوب، فهذه تعتبر خطوة متأخرة، لأن التجهيز الحقيقي يكون في أكاديميات الأندية وليس في المنتخبات، وهنا تظهر قيمة الثقافة المشتركة لديهم.

تلك الثقافة الجمعية الكروية، لا تتعلق بطموح كروي فقط، بل تتعلق ببناء جسر بين كافة الأجيال، وبين كافة الأندية، يصبح من خلالها عدد اللاعبين الجاهزين لتمثيل بلادهم وتمثيل أندية محلية مختلفة أكبر، لذلك تشعر أن أنديتهم المتوسطة قادرة على تصدير لاعبين إلى أندية أغنى، وشبكة الانتقالات بين الأندية المتوسطة لديهم نشطة، لأن عملية الإنتاج (شبه المتطابق) تخدم مصلحة الجميع.

أدرك ملاك الأندية هذه المصلحة المشتركة منذ سنوات، وعمل كل واحد منهم حسب قدراته، تم تبني فلسفة أساسية، يتم تعديلها حسب قدرات ومتطلبات كل فريق، لكن في النهاية سيكون لديك خطوطاً عامة تستطيع جمع أكبر عدد من اللاعبين، وهذا ما يجعل عائد استثمارهم في المواهب أفضل من أي منافس، وبالتالي طبيعي أن نرى إسبانيا ولو غابت عامين أو ثلاثة، تعود لاحقاً بجيل جديد خطير على كافة خصومه.

شاركها.
اترك تعليقاً