30 يونيو 2026
تتضارب الآراء حول النجاح المذهل الذي يحققه منتخب المغرب في كأس العالم الحالية، ليعلن الاستمرارية بعد النجاح غير المسبوق في مونديال 2022، والتفوق الفني الواضح الذي أظهره في كأس أمم أفريقيا الأخيرة.
يقترح كل طرف حسب غايته سببًا من وجهة نظر معينة، هناك من يحصر المشروع باستقدام المواهب المهاجرة، وهناك من يراها أكاديمية ناجحة، وهناك من يحاول التعمق أكثر لفهم هذا المشروع.
كنت أشاهد مباراة المغرب وهولندا وأنا في حالة صدمة، لأنني توقعت سيناريوهات مختلفة للقاء، لكنني لم أتصور في حياتي أن أشاهد منتخبًا عربيًا أو أفريقيًا يجبر أبناء الكرة الشاملة على التخلي عن مبادئهم، يلعبون بشكل أكثر دفاعية من باراغواي أمام ألمانيا، يحاولون النجاة بأي طريقة من خطورة الأسد المغربي.
هذه الحالة من التفوق غير المسبوق، بغض النظر عن النتيجة النهائية الإيجابية المدعومة بالتصدي الفني الحاسم من ياسين بونو، يجب أن تجعلنا نفهم بأن هذا المشروع لا يقوم على ركيزة واحدة، بل هو متعدد الأعمدة، وإلا لكان يسهل نسخه بشكل فوري من قبل الآخرين، لأن المغرب ببساطة لا تقوم بأي شيء مخالف للقانون، وبالتالي الجميع يمكنه فعل ما تفعله.
من أين بدأت قصة المغرب الملهمة؟
بدأت حكاية مشروع المغرب بقرار دولة لا اتحاد كرة قدم، جعل كرة القدم مشروعًا وطنيًا، يشمل البنية التحتية والأكاديميات والتسويق واستضافة البطولات، والدافع من هذا القرار اقتصادي اجتماعي، فالنجاح الكروي يرتبط بارتفاع معدلات السياحة والصادرات، حسب عدة دراسات، كما أن النجاح فيه يرفع من المزاج الشعبي بشكل عام.
بعد هذا القرار، نهضت البنية التحتية في المغرب لغايات كرة القدم، مصحوبة بإطلاق أكاديمية محمد السادس، التي مثلت أكاديمية كروية متكاملة ما بين اكتشاف مبكر وتعليم وتدريب وتأهيل بدني وتنشئة احترافية.
هذه الأكاديمية تعمل على إنتاج المواهب القابلة للاحتراف بأوروبا، من خلال تحقيق نتائج جيدة مع منتخبات الفئات العمرية، فتحقيق مونديال تحت 20 سنة لم يكن مجرد إنجاز، بل لحظة تسويقية مهمة لكافة المواهب المغربية الشابة، هي إشارة للعالم بأننا نملك مواهب من النخبة العالمية.
وبجانب ذلك، كانت هناك إدارة احترافية كاملة للمنتخب الأول، منتخب يضم المواهب المحلية، لكن استفاد بشكل غير مسبوق من المواهب المهاجرة، فالمشروع يدمج التكوين الداخلي مع لاعبين نشأوا في أوروبا، فأصبح لدى هذا المنتخب قاعدة عريضة من اللاعبين الذين يمكن الاختيار منهم.
عملية استقطاب المواهب المهاجرة ليست سهلة، لا تتم بكبسة زر، فهي تحتاج استكشافًا مستمرًا، وتقديم مشروع منتخب أول طموح على الطاولة، يريد الفوز بكل البطولات، محاطاً ببيئة احترافية إيجابية تقنع أمثال أيوب بوعدي وابراهيم دياز، باختيار تمثيل المنتخب المغربي لا غيره من المنتخبات الكبرى.
هذا المشروع المغربي محاط ببيئة كروية قوية، جماهير عالية الشغف، نشاط في كرة القدم للسيدات و”الفوت سال” والفئات السنية، وإعلام يتحرك بشكل قوي في شبكات التواصل، يجعل كل شيء يحيط باللعبة في المغرب جاذبًا، وليس فقط النتائج والمباريات.
فما بين قرار سياسي وطني، وأكاديمية تنتشر في كافة أرجاء المغرب لتجهيز المواهب للعب في أوروبا وتقوية الدوري المحلي، وبنية تحتية من أعلى طراز، وشبكة رصد للمواهب المهاجرة، وتوفير بيئة كروية متكاملة، نفهم أن هذا المنتخب ليس قصة صدفة أبدًا، بل مشروع يريد الاستمرار، ولم يعد يخفى على الجميع هدفه بالفوز بكأس العالم، مستفيدًا من استضافة جزء منه في 2030.
فالاستدامة في النجاح تحتاج نظامًا قادرًا على مواصلة الانتاج، ويعرف كيف يطور من نفسه، وهذا النظام الكروي المغربي يبدو جاهزًا ليستمر لسنوات طويلة، تجعله على الطريق الصحيح ليكون ضمن النخبة الكروية العالمية التي يشجعها الناس من حول العالم، تمامًا مثلما كنا نشجع البرازيل وألمانيا.
