2 يوليو 2026

اقترب نادي الشباب السعودي من فتح صفحة فنية جديدة، بعدما اتفق مع المدرب الألماني توماس ليتش لتولي قيادة الفريق الأول خلال الموسم المقبل، على أن يبقى التوقيع الرسمي مرتبطًا بالحصول على موافقة لجنة الرقابة المالية في رابطة دوري المحترفين السعودي، وفقًا لما نشرته صحيفة “الرياضية”.

الخبر يبدو للوهلة الأولى تعاقدًا تدريبيًا هادئًا، بعيدًا عن ضجيج الأسماء الكبرى، لكنه يحمل خلفه سيرة تستحق التوقف، فليتش ليس مدربًا قادمًا من فراغ، بل اسم تشكّل داخل بيئة ألمانية صارمة، ومرّ بمدرسة ريد بول الشهيرة في النمسا، وخاض تجارب في هولندا وألمانيا، قبل أن يظهر في الذاكرة السعودية مؤخرًا عندما قاد ريد بول سالزبورغ للتعادل أمام الهلال في كأس العالم للأندية 2025.

ما يجعل اقتراب ليتش من الشباب السعودي لافتًا، أن النادي لا يبدو بصدد البحث عن مدرب صاخب بقدر ما يبحث عن شخصية قادرة على إعادة التنظيم، فالنادي العاصمي، في مرحلته الحالية، يحتاج إلى مدرب يمنح الفريق هوية واضحة، ويعيد الانضباط الفني، ويحول المجموعة إلى فريق قادر على المنافسة لا على ردود الفعل فقط.


اقرأ أيضًا..


ليتش، البالغ من العمر 57 عامًا، وُلد في مدينة إسلينغن الألمانية، ولم يأتِ إلى التدريب من نجومية كلاسيكية كلاعب، بل بدأ مساره من القاعدة، قبل أن يتدرج في العمل الفني داخل أندية ألمانية ونمساوية وهولندية، وهي نقطة مهمة في فهم شخصيته: مدرب صنعته التفاصيل اليومية أكثر مما صنعته الأضواء.

مدرسة ريد بول.. البصمة الأوضح

أبرز ما في سيرة ليتش ارتباطه الطويل بمنظومة ريد بول. بدأ داخل سالزبورغ في قطاعات الشباب والأكاديمية، ثم عمل مساعدًا في الفريق الأول، وتولى تدريب فريق تحت 18 عامًا، قبل أن يقود ليفيرينغ، الذراع التطويرية لسالزبورغ، وهي بيئة معروفة بصناعة المواهب والضغط العالي واللعب العمودي السريع.

هذه الخلفية تمنح الشباب السعودي زاوية مهمة؛ لأن ليتش ليس مدربًا يعتمد فقط على إدارة النجوم، بل يعرف العمل مع اللاعبين الشباب، وبناء الفريق من خلال الضغط والتنظيم والتحولات السريعة. وتحليل أسلوبه مع فيتيسه الهولندي أشار إلى تأثره بنموذج ريد بول، خصوصًا في الاعتماد على التمرير العمودي والحركة المستمرة بدل البناء البطيء.

فيتيسه.. التجربة التي رفعته أوروبيًا

أقوى محطات ليتش خارج منظومة ريد بول جاءت في موسم 2020-21 مع فيتيسه أرنهيم الهولندي. في موسمه الأول، قاد الفريق إلى المركز الرابع في الدوري الهولندي، وبلغ نهائي كأس هولندا قبل الخسارة أمام أياكس، كما ضمن التأهل إلى دوري المؤتمر الأوروبي، وفي الموسم التالي، واصل فيتيسه حضوره القاري وبلغ دور الـ16 من دوري المؤتمر الأوروبي.

ولعل ما يجعل تجربة فيتيسه ذات أهمية بالنسبة للشباب أنها قدمت نموذجًا لمدرب يستطيع استخراج أفضل ما لدى فريقه عبر التنظيم والانضباط التكتيكي، دون الاعتماد فقط على قوة الإنفاق أو كثرة النجوم. وهي مقومات قد يحتاجها الشباب السعودي إذا أراد بناء فريق قادر على مقارعة كبار دوري روشن بصورة أكثر استقرارًا.

بوخوم.. نجاح إنقاذ ثم نهاية صعبة

بعد فيتيسه، انتقل ليتش إلى بوخوم في سبتمبر/ أيلول 2022، في مهمة شديدة الصعوبة داخل الدوري الألماني. الفريق كان يعاني في قاع الترتيب، لكنه نجح في نهاية الموسم في قيادته للبقاء بين الكبار، وأنهى الموسم في المركز الرابع عشر.  لكن التجربة نفسها كشفت الوجه الآخر لمسيرته.

ففي أبريل/نيسان 2024، قرر بوخوم إقالته بعد سلسلة نتائج سيئة، إذ خسر الفريق 5 مباريات من آخر 6، وبات قريبًا من منطقة الهبوط، رغم أنه كان قد حقق قبل ذلك فوزًا لافتًا على بايرن ميونخ في فبراير/ شباط. وهنا يجب التعامل مع ليتش بواقعية: هو ليس مدربًا بلا إخفاقات، لكنه مدرب يعرف العمل تحت الضغط، وسبق أن خاض معركة بقاء صعبة في ألمانيا، وهي خبرة مختلفة عن تدريب فريق يعيش في منطقة الراحة.

العودة إلى سالزبورغ.. ثم محطة عالمية أمام الهلال

في ديسمبر/ كانون الأول 2024، عاد ليتش إلى ريد بول سالزبورغ بعقد حتى صيف 2027، ليخلف الهولندي بيب لايندرز، مساعد يورغن كلوب السابق في ليفربول. النادي النمساوي أعلن عودته رسميًا، في خطوة عكست ثقة سالزبورغ في معرفته الداخلية بالمنظومة.

ومن هذه المحطة جاء الربط المباشر بالكرة السعودية، ففي كأس العالم للأندية 2025، وجد ليتش نفسه أمام الهلال ضمن مجموعة ضمت أيضًا ريال مدريد وباتشوكا، ونجح سالزبورغ في الخروج بتعادل سلبي أمام الفريق السعودي، في مباراة منحت المدرب الألماني حضورًا خاصًا في ذاكرة الجمهور المحلي.

لم يكن التعادل أمام الهلال إنجازًا كافيًا وحده للحكم على المدرب، لكنه كشف جانبًا من قدرته على تحضير مباراة مغلقة أمام فريق يملك جودة فردية كبيرة. وهذه النقطة قد تكون مغرية لنادي الشباب السعودي خصوصًا في مباريات الكبار، عندما يحتاج الفريق إلى مدرب يعرف كيف يقلل المساحات ويفرض الانضباط.

الشباب السعودي يبحث عن هوية.. فهل يجدها مع ليتش؟

قد يكون توماس ليتش خيارًا مناسبًا لشيخ الأندية؛ لأنه يجمع بين خبرة العمل في بيئات كروية مختلفة بألمانيا وهولندا والنمسا، والتكوين داخل مدرسة ريد بول المعروفة بتطوير المواهب والاعتماد على الضغط والتنظيم التكتيكي، لكن نجاحه لن يتوقف على أفكاره وحدها، بل على امتلاكه اللاعبين القادرين على تطبيق أسلوبه، إلى جانب توفير الاستقرار الإداري والفني.

في المقابل، لا يخلو سجل المدرب من محطات صعبة، بعدما غادر عدة تجارب قبل اكتمالها؛ لذلك، فإن الشباب السعودي لا يتعاقد مع مدرب مضمون النتائج، بل مع مدرب يملك أفكارًا واضحة تحتاج إلى الوقت والبيئة المناسبة حتى تنجح. وإذا اكتملت الصفقة، فسيكون التحدي الحقيقي هو تحويل هذا الرهان إلى مشروع فني مستقر، لا مجرد تجربة جديدة يحكم عليها ضغط النتائج مبكرًا.

شاركها.
اترك تعليقاً