7 يونيو 2026

قبل انطلاق كأس العالم 2026 بأيام قليلة، كانت هناك لحظات عديدة خلال الفترة التحضيرية للبطولة الأهم في عالم كرة القدم، بدا خلالها أن بعض المنتخبات قد لا تشارك أصلاً في الحدث العالمي.

وكانت مشاركة منتخب إيران في البطولة التي تستضيفها الولايات المتحدة وكندا والمكسيك محل شك كبير، بعدما مُنع مهدي تاج رئيس الاتحاد المحلي لكرة القدم في البداية من الحصول على تأشيرة الدخول، لحضور قرعة البطولة التي أُقيمت في واشنطن خلال ديسمبر/ كانون الأول الماضي.

ولاحقًا، جاءت الاحتجاجات التي شهدتها إيران مطلع العام، والتي تصاعدت حدتها وسط أزمة إقليمية مستمرة، لتزيد من حالة الغموض المحيطة بمشاركة المنتخب الإيراني في الحدث المرتقب.

أزمة إيران والولايات المتحدة تتصدر المشهد قبل انطلاق كأس العالم

مع تصاعد التوترات، ترددت تقارير عن تهديد إيران بالانسحاب من البطولة، بينما ألمح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إلى أن مشاركة “تيم ميلي” قد تكون غير مناسبة “من أجل سلامتهم الشخصية”، رغم تأكيده أنهم مرحب بهم بشكل عام.

في المقابل، طالبت إيران بسحب حق استضافة الولايات المتحدة للمباريات الخاصة بها، بينما وجد الاتحاد الدولي لكرة القدم FIFA نفسه في موقف بالغ الحساسية، مكتفيًا بالإشارة إلى العقوبات التي قد تتعرض لها إيران حال انسحابها من البطولة.

ومع مطالبة باولو زامبولي المبعوث الأمريكي الخاص بمنح إيطاليا غير المتأهلة فرصة المشاركة بدلاً من إيران، وتصريحات ترامب التي أكد فيها أنه لا يهتم كثيرًا بمشاركة المنتخب الإيراني من عدمها، جاء الحل الوحيد بتغيير مقر إقامة بعثة الفريق الآسيوي إلى المكسيك، على أن تسافر لخوض مبارياتها داخل الولايات المتحدة، ثم تعود مجددًا في غضون 24 ساعة فقط.

ورغم ذلك، لا يزال احتمال مواجهة المنتخبين الأمريكي والإيراني داخل المستطيل الأخضر قائمًا خلال البطولة، لكن هذه ليست سوى زاوية واحدة من الجدل الكبير المحيط بالنسخة المقبلة من المونديال، والتي دفعت كثيرين للقول إن مونديال 2026 قد يكون الأكثر تسييسًا في تاريخ المسابقة.

مونديال 2026 على صفيح ساخن

منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض عام 2024، تصاعدت عمليات المداهمة التي تنفذها سلطات الهجرة الأمريكية، ما أثار مخاوف من استهداف جماهير المباريات ضمن حملات الترحيل الجماعي.

كما تم توسيع قائمة حظر السفر لتشمل 39 دولة، من بينها 4 دول تأهلت منتخباتها إلى كأس العالم، وهي إيران وهايتي وكوت ديفوار والسنغال، مع استثناء أفراد البعثات الرسمية فقط.

وظهرت دعوات لمقاطعة البطولة، بعد الجدل الذي أثارته تحركات أمريكية في غرين لاند مطلع العام الحالي، خلال وقت شهدت فيه ولاية خاليسكو المكسيكية موجة عنف كبيرة، عقب اعتقال زعيم إحدى كبرى عصابات المخدرات.

وتضاف إلى ذلك المخاوف المناخية، إذ ستقام جميع المباريات تقريبًا تحت درجات حرارة مرتفعة خلال صيف أمريكا الشمالية الصعب، مع توقعات بتجاوزها حاجز الـ40 درجة مئوية في بعض المدن المستضيفة، ما أعاد الجدل حول التغير المناخي وتأثيره على كرة القدم.

ورغم كل ذلك، يبقى السؤال مطروحًا: هل مونديال 2026 فعلاً هو الأكثر جدلاً سياسيًا في التاريخ؟

مؤسس كأس العالم؛ الفرنسي الراحل جول ريميه كان يؤمن بقوة كرة القدم في توحيد الشعوب، لكن تاريخ البطولة يكشف أن السياسة والرياضة تداخلتا مرارًا، منذ النسخة الأولى عام 1930 في أوروغواي.

وفيما يلي أبرز المباريات التي ارتبطت بأحداث سياسية وأزمات تاريخية، وتركت بصمة لا تُنسى في تاريخ كأس العالم، وفقًا لما أبرزته صحيفة “ديلي ميل” البريطانية.

إيطاليا ضد فرنسا 1938.. مونديال في ظل صعود الفاشية

قبل انطلاق الحرب العالمية الثانية بوقت قصير، تحولت كأس العالم 1938 إلى ساحة تعكس الانقسام السياسي العميق، الذي كانت تعيشه القارة الأوروبية آنذاك.

وكان الزعيم الإيطالي بينيتو موسوليني قد نجح في توظيف كرة القدم لخدمة مشروعه السياسي، بعدما فرض سيطرة كاملة على اللعبة داخل بلاده، واعتبر أن نجاح المنتخب الوطني يمثل جزءًا من الدعاية للنظام الفاشي.

وبعد تتويج إيطاليا بكأس العالم 1934 على أرضها وسط اتهامات عديدة بالضغوط والتحكيم المنحاز، دخل “الآتزوري” نسخة 1938 في فرنسا بهدف الاحتفاظ باللقب.

لكن الأجواء كانت متوترة بشدة بسبب دعم موسوليني للجنرال فرانكو خلال الحرب الأهلية الإسبانية، ما أثار غضب قطاعات واسعة داخل فرنسا.

وعندما التقى المنتخبان الإيطالي والفرنسي في ربع النهائي، ارتدى الطليان قمصانًا سوداء بدلاً من البيضاء المعتادة، في إشارة مباشرة إلى ميليشيات “القمصان السوداء” التابعة للنظام الفاشي، لتتحول المباراة إلى مواجهة ذات أبعاد تتجاوز المستطيل الأخضر، في ظل التوترات السياسية التي سبقت اندلاع الحرب العالمية الثانية.

وفازت إيطاليا بنتيجة 3-1، قبل أن تواصل طريقها نحو الاحتفاظ باللقب العالمي للمرة الثانية على التوالي.

ألمانيا الشرقية ضد ألمانيا الغربية 1974.. مباراة الحرب الباردة

بعد عقود من الانقسام بين شطري ألمانيا عقب الحرب العالمية الثانية، جاءت كأس العالم 1974 لتشهد المواجهة الوحيدة بين المنتخبين الألمانيين على المسرح الدولي.

ورغم أن ألمانيا الغربية كانت تضم أسماء أسطورية مثل فرانز بيكنباور وجيرد مولر وأولي هونيس، فإن جارتها الشرقية دخلت المباراة وهي تحمل أبعادًا سياسية تتجاوز كرة القدم.

وبالنسبة للقيادة في ألمانيا الشرقية، كان الانتصار على الجار الغربي بمثابة إثبات لنجاح النظام الاشتراكي.

وفي الدقيقة 77، سجل يورغن شبارفاسر هدف الفوز التاريخي لألمانيا الشرقية، ليقود فريقه لتحقيق واحدة من أكبر مفاجآت تاريخ المونديال بالانتصار 1-0.

ورغم أن ألمانيا الغربية توجت لاحقًا باللقب العالمي، فإن هدف شبارفاسر ظل رمزًا خالدًا في ذاكرة الشرقيين.

الأرجنتين ضد بيرو 1978.. المباراة الأكثر إثارة للشكوك

تعد نسخة 1978 واحدة من أكثر نسخ كأس العالم إثارة للجدل على الإطلاق، إذ أقيمت في ظل الحكم العسكري للأرجنتين بقيادة الجنرال خورخي فيديلا.

وخلال الوقت الذي كانت فيه البلاد تشهد انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان، فيما عرف بـ”الحرب القذرة”، استخدمت البطولة كوسيلة دعائية للنظام الحاكم.

وفي الدور الثاني احتاجت الأرجنتين إلى الفوز بفارق 4 أهداف على الأقل أمام بيرو، من أجل التأهل إلى النهائي على حساب البرازيل.

لكن المنتخب الأرجنتيني حقق فوزًا كاسحًا 6-0، ما أثار موجة من الاتهامات بشأن وجود ترتيبات مسبقة أو ضغوط سياسية أثرت في نتيجة المباراة.

ورغم عدم وجود دليل قاطع حتى اليوم، فإن الشكوك لم تختف أبدًا، خاصة بعد الكشف لاحقًا عن مساعدات اقتصادية ضخمة قدمتها الأرجنتين إلى بيرو عقب البطولة، وفي النهاية تُوج المنتخب الأرجنتيني باللقب، بعد فوزه على هولندا في المباراة النهائية.

ألمانيا الغربية ضد النمسا 1982.. فضيحة خيخون والضحية: الجزائر!

تعد هذه المباراة واحدة من أكثر اللقاءات إثارة للغضب في تاريخ كأس العالم، فبعد فوز الجزائر التاريخي على ألمانيا الغربية في افتتاح المجموعات، بات “الخضر” على أعتاب التأهل للدور التالي.

لكن الحسابات كانت واضحة قبل مواجهة ألمانيا الغربية والنمسا؛ ففوز الأول بهدف أو هدفين فقط سيمنح المنتخبين الأوروبيين بطاقة التأهل معًا، ويقصي ممثل القارة السمراء آنذاك.

وبالفعل سجل هورست هروبيش هدفًا مبكرًا لألمانيا الغربية، ثم تحولت المباراة إلى تبادل سلبي للكرة، من دون أي محاولات هجومية حقيقية من الطرفين.

وأثارت المباراة غضب الجماهير ووسائل الإعلام حول العالم، ما دفع الاتحاد الدولي لكرة القدم لاحقا إلى اعتماد إقامة مباريات الجولة الأخيرة من دور المجموعات في التوقيت نفسه، لمنع تكرار مثل هذه الوقائع.

الأرجنتين ضد إنجلترا 1986.. حرب جزر فوكلاند على أرض الملعب

قليل من المباريات في تاريخ كرة القدم جمعت بين الخلفية السياسية والروعة الكروية، مثل مواجهة الأرجنتين وإنجلترا في ربع نهائي كأس العالم 1986.

وبعد 4 سنوات فقط من حرب جزر فوكلاند، دخل المنتخبان المباراة وسط أجواء مشحونة للغاية، وفي تلك المواجهة سجل الأسطورة دييغو مارادونا هدفه الشهير باليد، عندما لمس الكرة بأصابعه قبل أن تسكن الشباك، من دون أن ينتبه الحكم لما حدث.

وبعد دقائق قليلة فقط، سجل مارادونا هدفًا آخر اعتبره كثيرون الأعظم في تاريخ كأس العالم، بعدما راوغ عددًا كبيرًا من اللاعبين الإنجليز قبل أن يهز الشباك.

وفازت الأرجنتين بنتيجة 2-1، في مباراة تجاوزت أهميتها حدود كرة القدم بالنسبة لجماهير البلدين، حيث رأى فيها الكثير من الأرجنتينيين شكلاً من أشكال الثأر المعنوي بعد الحرب.

الولايات المتحدة ضد إيران 1998.. المباراة الأكثر تسييسًا

إذا كانت هناك مباراة واحدة تستحق لقب الأكثر تسييسًا في تاريخ كأس العالم، فإن مواجهة الولايات المتحدة وإيران في مونديال فرنسا 1998، تعد بين أبرز المرشحين أيضًا.

العلاقات بين البلدين كانت متوترة منذ عقود، بداية من الانقلاب المدعوم أمريكيًا في إيران خلال خمسينات القرن الماضي، مرورًا بالثورة الإيرانية وأزمة الرهائن الشهيرة.

وقبل المباراة حرص لاعبو المنتخب الإيراني على تقديم الورود البيضاء إلى لاعبي الولايات المتحدة كرسالة سلام، كما التقط المنتخبان صورة جماعية مشتركة في مشهد نادر، لكن داخل الملعب حقق الفريق الآسيوي فوزًا تاريخيًا بنتيجة 2-1، لتندلع احتفالات ضخمة في مختلف المدن والشوارع بالبلاد.

ووصف المرشد الأعلى الإيراني آنذاك الفوز بأنه “صورة جميلة لنضال الأمة الإيرانية”، فيما أكد المدافع الأمريكي جيف أجوس أن المباراة حققت خلال 90 دقيقة ما فشل السياسيون في تحقيقه على مدار 20 عامًا، في إشارة إلى الأجواء الودية التي صاحبت المواجهة التاريخية بين البلدين.

وبعد أكثر من عقدين، تجددت المواجهة بين المنتخبين في كأس العالم قطر 2022، لكن بأبعاد سياسية أقل حدة، مقارنة بما حدث في فرنسا عام 1998.

ومع اقتراب صافرة البداية لكأس العالم 2026، يبدو أن البطولة ستقام وسط ظروف استثنائية، تجمع بين التوترات السياسية والقضايا الأمنية والجدل المناخي.

ورغم أن تاريخ كأس العالم حافل بالمواجهات والأحداث التي تجاوزت حدود الرياضة، فإن النسخة المقبلة مرشحة لإضافة فصل جديد إلى العلاقة المعقدة بين كرة القدم والسياسة، في بطولة يأمل الجميع أن تبقى فيها المنافسة داخل الملعب هي العنوان الأبرز.



شاركها.
اترك تعليقاً