22 يونيو 2026
لم تكشف خسارة المنتخب السعودي أمام إسبانيا برباعية نظيفة في كأس العالم 2026 عن مشكلات دفاعية فقط، بل سلطت الضوء على جانب آخر لا يقل أهمية قبل مواجهة الرأس الأخضر الحاسمة.
فبعيدًا عن النتيجة وحجم الفوارق الفنية، عانى “الأخضر” السعودي بصورة واضحة في التعامل مع الضغط الإسباني عند بناء اللعب من الخلف، لتتحول العديد من محاولات الخروج بالكرة إلى فرص جديدة منحت “لا روخا” السيطرة.
ودخل المنتخب السعودي المواجهة مدركًا أن الاستحواذ سيكون في الأغلب لصالح إسبانيا، لذلك اختار المدرب اليوناني جورجوس دونيس كتلة متأخرة وخطًا دفاعيًا من 5 لاعبين، لكن المشكلة أن التراجع لم يمنح الفريق الأمان المطلوب، لأن كل محاولة للخروج من الخلف كانت معرضة للافتكاك السريع، وكل تمريرة خاطئة كانت تعيد إسبانيا مباشرة إلى الثلث الأخير.
اعتراف مدرب المنتخب السعودي يفتح باب السؤال
بعد المباراة، اعترف دونيس في تصريحاته بأن المنتخب السعودي لم يكن قويًا بما يكفي لتنفيذ الخطة الدفاعية حول منطقة الجزاء، إلى جانب ارتكاب أخطاء عديدة عند امتلاك الكرة.
هذا الاعتراف يمنح زاوية مختلفة للخسارة، فالمشكلة لم تكن في أن المنتخب دافع بخمسة لاعبين فقط، بل في أن الفريق لم يمتلك أدوات كافية للخروج من الضغط، أو تهدئة إيقاع المباراة، أو نقل الكرة إلى مناطق أبعد تمنح الدفاع فرصة للتنفس.
الضغط الإسباني حوّل البناء إلى مخاطرة
إسبانيا لم تدخل المباراة لتستحوذ فقط، بل لعبت بإيقاع أعلى وأكثر مباشرة، وفتح الهدف المبكر للامين يامال الدقيقة العاشرة المباراة سريعًا، ثم جاءت ثنائية ميكيل أويارزابال قبل مرور نصف ساعة لتجعل المنتخب السعودي في موقف نفسي وتكتيكي بالغ الصعوبة.
ومع هذا السيناريو، أصبح الخروج بالكرة أكثر تعقيدًا، فالمدافع أو لاعب الوسط السعودي لم يكن يملك وقتًا كافيًا للاستلام والنظر والتمرير، بينما كان الضغط الإسباني يجبره إما على التمرير المتسرع في العمق، أو إرسال كرة طويلة تعود سريعًا إلى أقدام لاعبي إسبانيا.
الأرقام تشرح حجم العزلة
تكشف الأرقام جانبًا مهمًا من القصة، فقد سددت إسبانيا 22 مرة مقابل 3 تسديدات فقط للمنتخب السعودي، بينها 8 على المرمى مقابل تسديدة سعودية واحدة. والأكثر دلالة أن إسبانيا صنعت 13 تسديدة من داخل المنطقة، بينما لم يسجل المنتخب السعودي أي تسديدة من داخل منطقة الجزاء، واكتفى بلمستين فقط داخل منطقة المنافس طوال المباراة.
هذه الأرقام لا تعني فقط أن الدفاع عانى، بل تعني أيضًا أن الكرة لم تكن تصل إلى الأمام بالشكل الكافي، فعندما يفشل الفريق في الخروج المنظم، يصبح المهاجم معزولًا، ويصبح الوسط محاصرًا، ويتحول الدفاع إلى جدار يتلقى الهجمات الواحدة تلو الأخرى حتى ينهار.
لماذا نجحت الفكرة أمام أوروغواي ولم تصمد أمام إسبانيا؟
أمام أوروغواي، كان المنتخب السعودي قادرًا على الصمود فترات أطول، رغم الضغط والتراجع، لكن طبيعة إسبانيا مختلفة تمامًا، فالمنتخب الإسباني لا يكتفي بإرسال الكرات أو انتظار خطأ عابر، بل يضغط بعد فقدان الكرة، ويغلق زوايا التمرير، ويدفع المنافس إلى اتخاذ قرارات سريعة في مناطق خطرة. وهنا ظهر الفارق الحقيقي.
أمام أوروغواي، كانت بعض الهجمات السعودية القليلة كافية لتخفيف الضغط، أما ضد إسبانيا، فإن أي تمريرة غير دقيقة كانت تعود سريعًا كفرصة جديدة لـ“لا روخا”، خصوصًا مع وجود رودري كمحور تحكم في الوسط، وحركة مستمرة حول منطقة الجزاء.
أزمة تحتاج إلى علاج قبل الرأس الأخضر
قبل مواجهة الرأس الأخضر، تبدو الحاجة ملحة لمعالجة هذه المشكلة تحديدًا، فالتحدي لا يقتصر على تحسين الجانب الدفاعي أو إعادة ترتيب الخط الخلفي، بل يمتد إلى إيجاد حلول أكثر فعالية عند بناء اللعب من الخلف.
ويتطلب ذلك توفير خيارات تمرير أقرب لحامل الكرة، وتقليل المخاطرة في المناطق الحساسة، والاعتماد بصورة أكبر على الأطراف لكسر الضغط، بدلًا من التمسك بالخروج عبر العمق في مساحات ضيقة تسمح للمنافس باستعادة الكرة سريعًا.
كانت نقطة أوروغواي قد منحت المنتخب السعودي مساحة للمناورة قبل الجولة الثانية، لكن الخسارة أمام إسبانيا رفعت من أهمية المواجهة المقبلة إلى أقصى درجة.
فلقاء الرأس الأخضر لم يعد مجرد مباراة أخيرة في دور المجموعات، بل بات أقرب إلى نهائي مبكر، قد يحدد مصير “الأخضر” في المونديال، خاصة مع بقاء فرصة التأهل قائمة عبر أحد مقاعد أفضل أصحاب المركز الثالث.
وإذا كانت خسارة إسبانيا قد فرضت على المنتخب السعودي مراجعة كثير من التفاصيل، فإن ما ينتظره أمام الرأس الأخضر لا يبدو أقل تعقيدًا، فالمنتخب الأفريقي أثبت خلال أول جولتين أنه ليس مجرد ضيف على المجموعة، بعدما خرج بشباك نظيفة أمام إسبانيا، ثم انتزع تعادلًا مثيرًا أمام أوروغواي بنتيجة 2-2، ليؤكد أنه يملك القدرة على منافسة المنتخبات الكبرى.
