24 يونيو 2026
لم يكن قرار جورجيوس دونيس بالعودة إلى الدفاع الرباعي قبل مواجهة الرأس الأخضر هو الخبر الأبرز داخل معسكر المنتخب السعودي فحسب، بل فتح الباب أيضًا أمام تساؤلات عديدة حول حالة الاستقرار الفني داخل “الأخضر” في أهم مراحل بطولة كأس العالم 2026.
المدرب اليوناني كان قد خرج عقب الخسارة القاسية أمام إسبانيا بنتيجة 0-4 مدافعًا عن قراراته الفنية، ومؤكدًا أنه لا يشعر بالندم تجاه الطريقة التي خاض بها المباراة، لكن بعد أيام قليلة فقط، ظهرت مؤشرات قوية على تغيير الرسم التكتيكي بالكامل والتخلي عن فكرة اللعب بخمسة مدافعين، وهو ما أثار حالة من الجدل بين الجماهير والمحللين.
في الظروف الطبيعية، قد يُنظر إلى تغيير الأفكار باعتباره أمرًا إيجابيًا يعكس قدرة المدرب على التعلم من الأخطاء، لكن في حالة المنتخب السعودي تبدو الصورة أكثر تعقيدًا، لأن الأمر لا يتعلق بمجرد تعديل تكتيكي، بل بمشروع فني لم تتضح ملامحه حتى الآن.
المشكلة ليست في تغيير الخطة
من الخطأ اعتبار العودة إلى 4 مدافعين أمرًا سلبيًا في حد ذاته، فكرة القدم الحديثة تعتمد على المرونة، وأفضل المدربين في العالم يغيرون طرق اللعب باستمرار وفقًا للمنافس والظروف الفنية داخل المباراة.
لكن ما يثير القلق هو السرعة التي حدث بها هذا التحول، لأن بعد مباراة إسبانيا، تحدث دونيس بثقة عن قناعته بالخطة التي اعتمد عليها، بل ورفض تحميل طريقة اللعب مسؤولية الهزيمة، لذا فإن التراجع عنها بعد فترة قصيرة جدًا يطرح تساؤلات منطقية: هل كان مقتنعًا بها فعلًا؟ أم أنه كان يحاول الدفاع عن قراراته أمام وسائل الإعلام فقط؟
إذا كانت الخطة خاطئة، فمن الطبيعي تعديلها، أما إذا كانت صحيحة من وجهة نظره، فإن التخلي عنها بهذه السرعة يعني أن المدرب نفسه لم يعد مقتنعًا بما قاله سابقًا.
وهنا تظهر المشكلة الحقيقية؛ لأن المنتخب في بطولة بحجم كأس العالم يحتاج إلى وضوح فكري واستقرار أكبر، وليس إلى الانتقال من فكرة إلى أخرى بعد كل مباراة.
هل خضع دونيس لضغط الجماهير؟
لا يمكن تجاهل حجم الانتقادات التي تعرض لها المدرب عقب رباعية إسبانيا، الجماهير السعودية لم تكن غاضبة من النتيجة فقط، بل من الطريقة التي ظهر بها المنتخب داخل الملعب، سواء من الناحية الدفاعية أو في عملية بناء الهجمات أو حتى على مستوى الشخصية والثقة.
وخلال الأيام التالية للمباراة، تصاعدت المطالبات بإجراء تغييرات كبيرة في التشكيلة الأساسية، مع الدعوة للتخلي عن بعض الأسماء التي تمثل العمود الفقري للمنتخب خلال السنوات الأخيرة، إضافة إلى العودة إلى الرسم التكتيكي التقليدي الذي اعتاد عليه اللاعبون.
وفي مثل هذه الأجواء، يصبح أي مدرب تحت ضغط هائل، وقد يجد نفسه مضطرًا إلى اتخاذ قرارات تمنح الجماهير شعورًا بأن هناك استجابة لما حدث، لكن المنتخبات الكبيرة لا تُبنى بردود الأفعال.
المدرب الناجح هو من يملك رؤية واضحة ويتمسك بها حتى النهاية، مع إجراء التعديلات اللازمة وفقًا لقناعاته الفنية، لا وفقًا لما يريده الشارع الرياضي في كل لحظة.
ولهذا السبب، فإن السؤال الذي يفرض نفسه الآن: هل عاد دونيس إلى الدفاع الرباعي لأنه يرى أنه الحل الأفضل فنيًا؟ أم لأنه أراد تهدئة العاصفة الجماهيرية التي ضربت المنتخب بعد مواجهة إسبانيا؟
المنتخب ما زال يبحث عن هويته
ربما تكون هذه هي النقطة الأكثر إثارة للقلق بالنسبة للجماهير السعودية، فبعد مرور فترة على تولي دونيس المهمة، لا يزال من الصعب تحديد الشكل الحقيقي للمنتخب السعودي تحت قيادته.
في مباراة يتم الاعتماد على خمسة مدافعين، وفي أخرى يتم العودة إلى أربعة، لاعبون يدخلون التشكيلة ثم يخرجون سريعًا، أدوار تكتيكية تتغير باستمرار، وحتى أسلوب اللعب نفسه يبدو مختلفًا من مواجهة إلى أخرى.
كل ذلك يوحي بأن المنتخب لا يزال في مرحلة البحث عن ذاته، وهي مرحلة من المفترض أن تكون قد انتهت قبل الوصول إلى كأس العالم، لا أن تستمر خلال البطولة نفسها.
المشكلة أن البطولات الكبرى لا تمنح المدربين الوقت الكافي للتجربة، فكل مباراة تحمل وزنًا كبيرًا، وكل خطأ قد يكلف المنتخب فرصة التأهل أو الاستمرار في المنافسة، ولهذا السبب، فإن الاستقرار الفني لا يقل أهمية عن جودة اللاعبين أنفسهم.
مباراة الرأس الأخضر قد تكشف الحقيقة
قد تنجح العودة إلى الدفاع الرباعي، وقد يقدم المنتخب السعودي واحدة من أفضل مبارياته في البطولة ويحقق النتيجة التي ينتظرها الجميع، لكن حتى في هذه الحالة، لن يختفي السؤال المطروح حاليًا.
هل وجد دونيس أخيرًا الطريقة المناسبة للمنتخب؟ أم أن ما يحدث مجرد محاولة جديدة للبحث عن الحل وسط حالة من عدم الاستقرار الفني؟
مواجهة الرأس الأخضر لن تكون اختبارًا لللاعبين فقط، بل ستكون اختبارًا مباشرًا للمدرب اليوناني أيضًا، فإذا ظهر المنتخب بصورة أكثر توازنًا وشخصية منظمة، فقد ينجح دونيس في إقناع الجماهير بأن ما حدث أمام إسبانيا كان مجرد تعثر عابر.
أما إذا استمرت المشكلات نفسها رغم تغيير الخطة، فسيصبح من الصعب الحديث عن أن الأزمة كانت مرتبطة بالرسم التكتيكي وحده.
وعندها، قد تخرج الجماهير باستنتاج أكثر خطورة، أن المشكلة ليست في خطة الخمسة مدافعين أو الأربعة مدافعين، بل في غياب هوية فنية واضحة للمنتخب السعودي حتى هذه اللحظة.
