11 يونيو 2026
تترقب جماهير كرة القدم انطلاق نهائيات كأس العالم 2026 يوم الخميس، في أضخم وأطول وأعقد نسخة في تاريخ المسابقة، تكلفة مهولة وإيرادات قياسية، حيث وبلغة الأرقام نحن على وشك مشاهدة النسخة الأربح اقتصاديًا على الإطلاق، وخلف هذا البريق يلوح تحوّل عميق في فلسفة إدارة اللعبة، فالاتحاد الدولي لكرة القدم اتجه إلى “ترمبنة” (Trumpification) المونديال، متأثرًا بسياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
صاغت الصحافة الغربية مصطلح (Trumpification)، لوصف منهجية ترامب السياسية-الاقتصادية القائمة على تعظيم الإيرادات وتضخيم الأحداث، والسعي الدائم لكسر الأرقام القياسية، على حساب الجودة والقيمة التاريخية، وهو المسار ذاته الذي سلكه رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم جياني إنفانتينو -المقرب لترامب- عندما قرر صياغة النظام الجديد لكأس العالم 2026.
ترمبنة كأس العالم 2026!
في نسخة مونديال 2026، ارتفع عدد المنتخبات المشاركة من 32 إلى 48، وبالتبعية زادت المباريات من 64 إلى 104 -قريب من الضعف- وستستغرق المنافسات نحو 40 يومًا بدلًا من 30، وستتنقل المنتخبات بإجراءات لوجستية صارمة بين 16 مدينة مختلفة موزعة على 3 بلدان، هي المكسيك وكندا وأمريكا، في الواقع نحن أمام نسخة معقدة ومرهقة بكل المقاييس.
بحسب مراقبين، لا يمكن إنكار دور ترامب في إقناع إنفانتينو بتسييس وتسليع كرة القدم في مونديال 2026، فهي على أعتاب التحول من رياضة ذات أبعاد ثقافية وإنسانية واجتماعية تعتمد على المتعة والترقب، إلى امتياز اقتصادي ضخم، يدار بعقلية الشركات الكبرى الاحتكارية، التي تبحث عن مضاعفة أرباحها، حتى لو أدى ذلك إلى استنزاف العنصر البشري وتشويه الشكل الجمالي التقليدي للبطولة.
قتل متعة كأس العالم 2026
من شأن التوسع الصارخ في كأس العالم 2026، من حيث المنتخبات المشاركة وعدد المباريات وطول المدة، أن يقتل متعة البطولة ولو قليلًا، فالكثرة تجعل استيعاب كل التفاصيل ومتابعتها أمرًا بالغ الصعوبة، تلك الزيادة المفرطة ستؤدي حتمًا إلى تمييع التجربة ونقص في القيمة، في الحقيقة قد يشعر أغلب المشجعين بأن مونديال 2026 أصبح ضخمًا، لدرجة انعدام الاحساس الحقيقي به قياسًا بالبطولات السابقة.
كما قال دون دريبر في مسلسل (Mad Men)، فإن “كأس العالم هي ينبوع من النوستاليجيا يأخذك إلى مكان في الماضي، نتوق دائمًا للذهاب إليه، إلى ذكريات الطفولة”. كانت المتعة الحقيقية في نسخ كأس العالم بالعقود الأخيرة، تكمن في حفظ المجموعات عن ظهر قلب، ومعرفة أين ومتى سيلعب كل منتخب، الآن مع التضخيم غير المبرر في نسخة 2026، سيكون من السخيف أن يحاول أحدهم حفظ المجموعات.
ترامب الآمر الناهي في كأس العالم 2026
من المعلوم أن الاتحاد الدولي لكرة القدم يعد (دولة عالمية)، بنفوذ واسع يطول الجميع، غير أنه تقزّم أمام تصرفات ترامب في كأس العالم، فالرئيس الأمريكي أصدر حزمة قرارات فورية، وأذعن إليها الفيفا من دون مناقشة تُذكر، مثل منع الحكم الصومالي عمر أرتان من دخول الولايات المتحدة، والتعنت ضد بعثة منتخب إيران الذي سيُحرم من المبيت في الأراضي الأمريكية، حيث اكتفى الفيفا بتعليق باهت، قال فيه إن للدولة المضيفة حق إصدار التأشيرات أو منعها.
علاقة مصالح متبادلة بين ترامب والفيفا
تلك العلاقة الوثيقة والمصالح المتبادلة بين ترامب وإنفانتينو، يمكن وصفها بالزواج الكاثوليكي مع تغليب مبدأ (البراغماتية)، فمنافع الطرفين متعددة ومربحة للغاية، فدونالد سيستغل كأس العالم كمنصة استعراضية كبرى لتوطيد حكمه، كقائد يجمع بين السياسة والرياضة تزامنًا مع احتفالات أمريكا بمرور 250 عامًا على التأسيس، أما إنفانتينو فيحتاج قوة الولايات المتحدة الدبلوماسية، لإنجاح أول نسخة مضخمة من كأس العالم، فضلًا عن التقرب من أقوى رجل في العالم لتعزيز نفوذه على رأس الفيفا.
كيف يغير الذكاء الصناعي شكل مونديال 2026؟
في الواقع، تتخذ العلاقة بين الرئيس الأمريكي والفيفا مزيدًا من الصعود تدريجيًا، فمؤخرًا أعلن الاتحاد الدولي أنه استأجر طابقًا كاملًا في برج ترامب في نيويورك، لإدارة عمليات كأس العالم 2026، وتشير تقارير إلى أن مبلغ الاستئجار باهظ للغاية، لتتحول من علاقة عمل رسمية إلى شراكة تجارية شخصية، لقد تداخلت مصالح إمبراطورية ترامب الاقتصادية مع استثمارات الفيفا بالفعل، وانصهر الطرفان في دفاتر الحسابات المالية المربحة لكليهما.
