29 يونيو 2026

لم تكن استقالة ياسر المسحل من رئاسة الاتحاد السعودي لكرة القدم قرارًا مفاجئًا بمعناه الكامل، بقدر ما بدت نتيجة طبيعية لتراكمات طويلة انفجرت بعد خروج المنتخب السعودي من كأس العالم 2026، وعدم قدرته على بلوغ الدور التالي.

وفي بيانه، اختار المسحل أن يتحمل المسؤولية كاملة، مؤكدًا أن النتيجة لا ترقى إلى طموحات الجماهير، ومعلنًا عدم استمراره حتى نهاية الدورة الحالية، مع فتح باب الترشح لانتخابات مجلس إدارة جديد.

لكن قرار الرحيل لم يكن انعكاسًا لنتيجة بطولة واحدة فقط، بل جاء بعد سلسلة من الملفات والقرارات التي تراكمت على مدار الفترة الماضية، قبل أن تصل إلى نقطة اللاعودة مع نهاية المشوار المونديالي.

وبين الضغوط الجماهيرية، والخيارات الفنية، والنتائج التي لم تلبِّ الطموحات، يمكن رصد 5 أسباب رئيسية مهدت لاستقالة ياسر المسحل.

1- المنتخب السعودي أنهى كل فرص الاستمرار

لم يحتج ياسر المسحل إلى البحث عن مبررات في بيان الاستقالة، إذ وضع السبب الرئيسي أمام الجميع، بعدما تحمّل مسؤولية خروج “الأخضر” السعودي من كأس العالم 2026 وعدم بلوغه دور الـ 32.

وجاءت الحصيلة مخيبة للآمال؛ إذ اكتفى المنتخب بتعادلين 1-1 و 0-0 أمام أوروغواي والرأس الأخضر، مقابل خسارة ثقيلة بنتيجة 4-0 أمام إسبانيا، ليغادر البطولة دون أي انتصار. ومع اتساع الفجوة بين سقف الطموحات والنتيجة النهائية، بدا الرحيل أقرب إلى خطوة تحمل المسؤولية أكثر من كونه مجرد قرار إداري.

2- ياسر المسحل وقرار المدرب الذي أثار الجدل

من أكثر الملفات التي عادت إلى الواجهة بعد نهاية المشوار السعودي في المونديال، قرار تغيير الجهاز الفني قبل البطولة بفترة قصيرة، فقد اعتبر كثيرون أن استبدال الفرنسي هيرفي رينارد باليوناني جورجيوس دونيس قبل أقل من شهرين من انطلاق كأس العالم وضع المدرب الجديد أمام سباق مع الزمن، ومنحه وقتًا محدودًا لبناء فريق قادر على المنافسة.

لذلك، لم يقتصر الجدل على أداء اللاعبين داخل الملعب، بل امتد إلى القرارات التي سبقت البطولة، وفي مقدمتها توقيت تغيير الجهاز الفني، ورأى قطاع عريض أن المنتخب دخل كأس العالم وهو لا يزال في مرحلة التأقلم مع مدربه الجديد، وهو ما انعكس على الانسجام الفني والهوية التكتيكية، ليصبح هذا القرار أحد أكثر الملفات التي خضعت للنقاش بعد نهاية المشاركة.

3- ضغط جماهيري غير مسبوق

لم يكن الخروج من كأس العالم 2026 مجرد خسارة رياضية، بل أشعل موجة واسعة من الغضب في الشارع الرياضي السعودي، فمنذ صافرة نهاية المشوار، تصدرت المطالب بالمحاسبة منصات التواصل، وتكررت الإشارة إلى سنوات رئاسة ياسر المسحل لاتحاد الكرة، وسط آراء رأت أن حجم الدعم الذي حظيت به الكرة السعودية كان يستوجب نتائج أكبر.

ومع تصاعد هذه الضغوط، أصبح الاستمرار حتى نهاية الدورة الحالية أكثر صعوبة على المستوى الجماهيري والإعلامي، ولم يكن من المستغرب أن يختار ياسر المسحل إنهاء مشواره قبل موعده، في محاولة لتحمل المسؤولية وفتح الباب أمام إدارة جديدة تبدأ مرحلة مختلفة، بعد أن باتت الثقة في استمرار المشروع الحالي محل تساؤل واسع داخل الشارع الرياضي السعودي.

4- سنوات بلا لقب كبير

إلى جانب الإخفاق المونديالي، عاد ملف النتائج إلى الواجهة، فالمنتخب السعودي لم ينجح في استعادة الألقاب القارية خلال أكثر من عقدين، وهو ما جعل كثيرين يربطون بين نهاية حقبة ياسر المسحل والحاجة إلى مراجعة شاملة للمشروع الرياضي على مستوى المنتخب الأول.

ومع كل مشاركة جديدة، كان سقف التطلعات يرتفع، مدفوعًا بحجم الدعم الذي تحظى به الكرة السعودية، لكن غياب الإنجازات الكبرى أبقى باب الانتقادات مفتوحًا، وزاد من الضغوط على إدارة الاتحاد مع كل استحقاق جديد.

5- بداية جديدة قبل تحديات أكبر

ربما لم تكن الاستقالة مرتبطة بالمونديال وحده، بل أيضًا بما ينتظر الكرة السعودية خلال السنوات المقبلة، وفي مقدمتها الاستعداد لاستضافة كأس العالم 2034.

ومن هذا المنطلق، بدا قرار فتح باب الانتخابات محاولة لمنح الإدارة الجديدة الوقت الكافي لوضع رؤية طويلة المدى، بدلًا من استمرار العمل تحت ضغط إخفاق البطولة الأخيرة. فالمرحلة المقبلة تتطلب أكثر من تغيير إداري؛ إنها تحتاج إلى مشروع فني واضح، واستقرار في القرارات، وخطة تعيد المنتخب السعودي إلى المنافسة على أعلى المستويات.

ياسر المسحل يطوي صفحة.. والمنتخب السعودي يبدأ أخرى

في النهاية، يصعب اختزال استقالة ياسر المسحل في سبب واحد، فالقرار جاء بعد تداخل عدة عوامل؛ إخفاق مونديالي، وقرارات فنية أثارت الجدل، وضغوط جماهيرية متصاعدة، وغياب الإنجازات الكبرى، إلى جانب الحاجة إلى إعادة ترتيب البيت قبل الاستحقاقات المقبلة.

وبرحيل المسحل، لا تنتهي القصة، بل تبدأ مرحلة جديدة ستكون فيها الأنظار موجهة نحو الإدارة القادمة، التي ستواجه تحديًا أكبر من مجرد الفوز بالمباريات؛ وهو إعادة بناء الثقة، وصناعة منتخب سعودي قادر على ترجمة حجم الدعم والطموحات إلى نتائج داخل الملعب.

شاركها.
اترك تعليقاً