22 يوليو 2026
لم يتبق على انتهاء الدوري السوري لكرة السلة للرجال سوى خمس مباريات، المباراة النهائية التي تجمع الوحدة مع أهلي حلب، حيث من المقرر أن تبدأ السلسة السبت المقبل.
الدوري هذا الموسم شهد توترًا أكثر من أي وقت مضى، خاصة على مستوى التحكيم، حيث تحولت الصافرة أحيانًا من رمز للحسم إلى صوت مرتبك يبحث عن السيطرة، ولم تعد مباريات دوري الرجال والسيدات تلعب بين فريقين فقط، بل أصبحت، في كثير من لحظاتها، مواجهة نفسية مفتوحة بين الحكام والمدربين، اعتراضات متكررة، انفعالات حادة، وضغوط متواصلة جعلت بعض الحكام يدخلون دائرة التردد، وكأن القرار لم يعد يتخذ وفق القانون وحده، بل وفق حجم الصراخ وحدّة التوتر داخل الصالة.
“مزمار الحي لا يطرب”
وارتفعت وتيرة الضغوط على قضاة الملاعب مع اقتراب نهاية الدوري السوري لكرة السلة واحتدام الصراع على لقب هذا الموسم، وعلى نهج المثل الشعبي “مزمار الحي لا يطرب” فإن هذا المثل لا يزال منطبقًا في كثير من صالاتنا التي شهدت الاعتراض على أداء بعض الحكام المحليين، وعندما يحل الحكم الاجنبي فالجميع يمتثل لقرارته دون اعتراض، وهذا ما شاهدناه في بعض مباريات الموسم الماضي.
اقرأ أيضًا
دوري السلة السوري.. أهلي حلب وحمص الفداء في مواجهة الحسم
الوحدة يتأهل لنهائي الدوري السوري لكرة السلة للمرة الرابعة على التوالي
بعض الأندية ولعدم إيمانها بالحكام المحليين طلبت من اتحاد كرة السلة الاستعانة بحكام أجانب، ليمتثل الأخير لرغبة الأندية في دور الفاينال فور، حيث قام بقيادة مباريات الدور نصف النهائي حكمان من الأردن وآخر من ماليزيا.
الحلقة الأضعف في الدوري السوري لكرة السلة
وهنا لابد من القول، الكل يعتبر أن الحكم هو الحلقة الأضعف في الدوري السوري لكرة السلة، والجميع يصب جام غضبه عليه ويحملونه وزر خساراتهم، وهو الشماعة لبعض المدربين والجماهير الذين لا يشاهدون أداء لاعبيهم السيئ خلال المباريات، ويتناسون أن أي حكم يتخذ أي قرار في أجزاء من الثانية، والتي قد تصيب وقد تخطئ، وكل الحكام لديهم هفوات وتقديرات خاطئة، فالحكم “بشر” لا يتقصد الخطأ وإنما تقديره خاطئ.
الحكم الناجح هو الأقل أخطاء، وهناك حكام يمتازون عن آخرين بالجرأة والحزم، ولا يتأثرون بالضغوطات الخارجية، ويتابعون كل الحالات بدقة وواثقون من قيادتهم لأي مباراة، وهي صفات الحكم المتميز، ومن النادر أن يتهم الحكام بالتلاعب والتآمر على اللاعبين أو المدربين، أو بالتعاطف مع فريق على حساب آخر بمجرد صافرة اتخذها، وهذا التفكير يسود معظم مشجعي كرة السلة، ليس في رياضتنا فحسب، بل في العالم بشكل عام لكنه في صالاتنا يزيد كثيرًا عن حده.
ضغوط مؤثرة
عدد من كوادر الدوري السوري لكرة السلة أشاروا إلى أن بعض الحكام يتأثرون ببعض الضغوط، خاصة إذا كانت المباراة تجمع بين فريقين كبيرين ومتقاربي المستوى، وهنا يجب عليهم الابتعاد قدر الامكان عن هذه الضغوط، كما أن تكرار نفس الحكم لإدارة مباراة لفريق معيّن من الأندية بصفة مستمرة يجعل الحكم تحت ضغوط كبيرة، ويقوم على إثر ذلك بمحاولة تعويض هذا النادي عن خطأ ارتكبه من دون قصد في مباراة سابقة، فيدخل في دوامة من المشاكل من دون مراعاة أن النادي المتضرر دفع الأموال، وبذل الجهد في سبيل تجهيز الفريق.
وطالبت هذه الكوادر من لجنة الحكام الرئيسية باتحاد السلة والمسؤولة عن توزيع الحكام بضرورة اختيار الأطقم التحكيمية للمباريات، حسب قوة المباراة وحساسيتها، حتى لا يتم الزج بحكام جدد لا يمتلكون الخبرة الكافية في مباريات حساسة ومصيرية.
الحكم مظلوم
هناك معضلة في الدوري السوري لكرة السلة، مفادها أنه دائمًا ما يقال أن الحكم السوري ظالم ولكن الحقيقة هي أنه مظلوم “حسب رأي بعض الحكام”، فرغم السمعة العطرة التي اكتسبها الحكام السوريون في محافل دولية هامة وما أكثرها، وهذا بحد ذاته شرف للتحكيم السوري وحتى للحكام العرب، فإن بعض مسؤولي كرة السلة المحلية وجماهيرها، لا تشجعه مؤكدين مقولة: “مزمار الحي لا يطرب” وبذلك يظلم الحكم السوري ولا نعطيه الفرصة المناسبة لكي يبدع، ونكيل له التهم ونصفه بصفات غير اخلاقية!!
ورغم قلة الإمكانات المادية والمعنوية لا يقل شأنه مطلقًا عن أي حكم عالمي، رغم قلة الإمكانات المتاحة لكل جانب ودورات التأهيل وأشياء أخرى ضرورية، ويكفي أن الحكم العالمي حتى لو أخطأ في قرار ما فإنه لا يسمع سيل الشتائم من الجمهور مقارنة بالحكم السوري، الذي يكون كبش الفداء للفريق الخاسر مهما كانت قراراته عادلة وحازمة.
مع العلم أن الحكام السوريين يبدعون في المحافل الخارجية، والدليل ما قدمه الحكم الدولي وسام الزين الذي اختاره الاتحاد الدولي لكرة السلة “FIBA”، لقيادة مباريات كأس العالم للناشئات التي اختتمت مؤخرًا في تشيكيا، وقبلها شارك في قيادة مباريات كأس العالم للرجال، وذلك لأول مرة في تاريخ السلة السورية، ولم يأت ِهذا الاختيار من عبث وإنما جاء نتيجة الأداء الجيد الذي يظهر عليه الحكم وسام، في جميع البطولات والاستحقاقات التي يشارك فيها.
كذلك الأمر بالنسبة للحكم الدولي إيلي رهجي الذي شارك مؤخرًا في قيادة تصفيات كأس آسيا تحت 18 عامًا، لمنطقة غرب آسيا التي أقيمت في الأردن، وسبق له أن قاد المباراة النهائية لكأس آسيا للسيدات العام الماضي بين منتخبي أستراليا ونيوزيلندا، وهذا يدل على أن الصافرة السورية السلوية أثبتت في السنوات الماضية علو كعبها، وجدارتها في البطولات العربية والقارية.
إعادة بناء منظومة تحكمها معايير ثابتة
لا شك أن مسألة الاستعانة بحكام أجانب وعرب لقيادة مباريات الدوري السوري لكرة السلة عرفت سجالًا كبيرًا فالبعض رحب بالأمر وآخرون لم يحبّذوه، معتبرين أن الحكام السوريين من أفضل حكام المنطقة ودليل ذلك تفوقهم في كافة البطولات التي يوجدون بها، وحين يتم استقدام حكام من الدول المجاورة لقيادة مباريات “الفاينال” يظهر هؤلاء الحكام بنفس مستوى الحكام المحليين أو أقل شأنًا.
هنا يتبادر السؤال إلى الذهن.. ما الذي يميز الحكام العرب عن الحكام المحليين؟ فإذا كان الهدف استقدام حكام من خارج البلد هو رفع مستوى وكفاءة التحكيم خلال المباراة بقدر ما هو إبعاد الحكام المحليين عن الضغوط التي يتعرضون لها من بعض الأندية الكبيرة. يبقى التساؤل الجوهري: هل استقدام الحكم الأجنبي هو الحل السحري لاستعادة الانضباط، أم أنه مجرد هروب إلى الأمام من مواجهة ضعف الشخصية التحكيمية المحلية؟
إن ما تحتاجه كرة السلة السورية اليوم ليس مجرد صافرة مستوردة، بل إعادة بناء منظومة تحكمها معايير ثابتة، وتتمتع بحماية قانونية وإدارية تجعل من الحكم سيد الملعب الحقيقي، بعيدًا عن ضغوط الأسماء وبريق التاريخ، فالبطولات لا تُخلّد فقط بأسماء الفائزين، بل بنزاهة الطريق الذي سلكوه نحو المنصة.
