29 يونيو 2026
لم يكن رحيل ياسر المسحل مجرد استقالة لرئيس اتحاد كرة قدم، بل كان رسالة واضحة من الشارع الرياضي السعودي بأن مرحلة كاملة انتهت، وأن الجماهير لم تعد تقبل استمرار الأخطاء نفسها مهما كانت المبررات.
الضغط الجماهيري الذي تصاعد عقب الخروج المخيب من كأس العالم 2026 لعب الدور الأكبر في إسدال الستار على سبع سنوات من الإدارة، لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل يكفي تغيير الرئيس لإنقاذ المنتخب السعودي؟
من وجهة نظري، الإجابة لا.
ما حدث في المونديال كان نتيجة تراكمات امتدت لسنوات، ولم يكن وليد شهر أو بطولة واحدة، لذلك، فإن المرحلة المقبلة ستكون الأصعب في تاريخ المنتخب السعودي منذ سنوات طويلة، لأن الجميع ينتظر تغييرًا حقيقيًا، بينما الوقت لا يمنح أحدًا فرصة للبداية من الصفر.
استحقاقات لا تحتمل التعثر
عادةً، أي إدارة جديدة تحتاج إلى وقت حتى تراجع الملفات وتضع خططها وتبدأ تنفيذ مشروعها، لكن من سيقود الكرة السعودية خلال الفترة المقبلة لن يمتلك هذه الرفاهية.
بعد ثلاثة أشهر فقط، تستضيف المملكة بطولة كأس الخليج، وهي بطولة قد لا تكون الأكبر من الناحية الفنية، لكنها ستكون مهمة للغاية من الناحية الجماهيرية والمعنوية.
الجماهير السعودية لن تنظر فقط إلى النتائج، بل ستبحث عن منتخب يملك شخصية وهوية واضحة داخل الملعب، بعد الصورة الباهتة التي ظهر بها في كأس العالم.
رسميًا.. رئيس الاتحاد السعودي لكرة القدم يعلن استقالته! ✅
الخروج المبكر من كأس العالم لم يمر هكذا وقد ألقى بظلاله على أجواء الكرة في السعودية 😌
بعد مشاركة لم ترتقِ إلى طموحات الجماهير، أعلن رئيس الاتحاد السعودي لكرة القدم، ياسر المسحل، عدم استكمال ولايته، متحملًا المسؤولية… pic.twitter.com/NWbguga8gE
— winwin (@winwinallsports) June 29, 2026
هذه البطولة ستكون أول اختبار حقيقي للإدارة الجديدة، سواء في اختيار الجهاز الفني، أو شكل القائمة، أو طريقة التعامل مع المرحلة الانتقالية، أي بداية متعثرة ستعيد الضغوط من جديد، وقد تفقد الجماهير الثقة قبل الوصول إلى الهدف الأكبر.
وإذا كانت كأس الخليج تمثل اختبارًا مهمًا، فإن كأس آسيا 2027 ستكون الامتحان الحقيقي.
السعودية ستستضيف البطولة على أرضها وبين جماهيرها مطلع العام المقبل، ما يعني أن سقف الطموحات سيكون مرتفعًا للغاية، ولن يكون مقبولًا الاكتفاء بالمشاركة المشرفة أو الخروج المبكر، خاصة في ظل الإمكانات الضخمة التي تمتلكها الكرة السعودية، والاستثمارات الكبيرة التي شهدتها خلال السنوات الأخيرة.
استضافة بطولة بهذا الحجم تعني أن الأنظار ستكون موجهة إلى المنتخب منذ المباراة الأولى وحتى النهاية، وأي تعثر سيعيد كل الأسئلة التي طُرحت بعد كأس العالم: أين المشروع؟ وأين نتائج كل ما أُنفق على تطوير كرة القدم؟
لهذا السبب، يجب أن يبدأ الإعداد لكأس آسيا من الآن، وليس قبل البطولة بأشهر قليلة كما حدث في المونديال، عندما تم تغيير المدرب في توقيت حساس، ودخل المنتخب البطولة دون استقرار فني أو هوية واضحة.
المشكلة ليست الرئيس.. بل المشروع
رحيل المسحل قد يكون خطوة مطلوبة، لكنه ليس الحل الكامل، فالأزمة الحقيقية تكمن في غياب مشروع طويل الأمد لتطوير المنتخب السعودي، ولا يمكن أن تتغير الهوية مع كل مدرب، أو أن تتبدل الأفكار بعد كل بطولة، ثم ننتظر نتائج مختلفة.
البداية يجب أن تكون من الفئات السنية، لأنها المصنع الحقيقي لأي منتخب ناجح، والسعودية تمتلك إمكانات كبيرة، لكنها بحاجة إلى منظومة تعمل على اكتشاف المواهب وصقلها وإعدادها منذ سنواتها الأولى، بدلًا من البحث عن حلول سريعة كلما اقتربت بطولة.
كما أن مشاركة اللاعب السعودي مع ناديه أصبحت ملفًا لا يمكن تجاهله، خاصة بعد زيادة عدد اللاعبين الأجانب، وهو ما قلل من دقائق لعب كثير من العناصر المحلية، فاللاعب الذي لا يشارك باستمرار مع ناديه، من الصعب أن يكون جاهزًا لقيادة منتخب في بطولة عالمية.
ولا يقل الاحتراف الخارجي أهمية عن ذلك، الكرة السعودية بحاجة إلى رؤية واضحة لإرسال أفضل المواهب إلى الدوريات الأوروبية، لأن الاحتكاك اليومي بالمستويات الأعلى ينعكس مباشرة على شخصية اللاعب وجودته الفنية، وهو ما أثبتته تجارب العديد من المنتخبات الآسيوية.
لكن في النهاية، يبقى العامل الأهم هو الشخص الذي سيقود المرحلة الجديدة، فهو لن يرث مجرد منصب إداري، بل سيرث منتخبًا فقد ثقة جماهيره، وضغوطًا هائلة، واستحقاقات صعبة على الأبواب.
والمطلوب ليس رئيسًا عاديًا، بل شخصية تمتلك مشروعًا واضحًا، وتحيط نفسها بكفاءات فنية وإدارية قادرة على العمل لسنوات، بعيدًا عن ردود الفعل والانفعالات التي عانت منها الكرة السعودية في الفترات الأخيرة.
لهذا أرى أن المرحلة المقبلة هي الأصعب في تاريخ الكرة السعودية الحديث، ليس بسبب رحيل المسحل، ولكن لأن الوقت لا يسمح بارتكاب أخطاء جديدة بعد سنوات من التراجع..
