29 يونيو 2026

لم يكن هدف التعادل الذي سجلته النمسا في الدقائق الأخيرة أمام الجزائر، مجرد هدف أنقذها من الخسارة، بل كان هدفا أعاد رسم طريق المنتخب الجزائري في كأس العالم 2026.

وأشعل هذا الهدف فرحة كبيرة وسط الجماهير الجزائرية التي لم تحتفل بهدف التفوق لرياض محرز في الدقيقة الأخيرة، مثلما احتفلت بهدف التعادل الذي جاء في الأنفاس الأخيرة من الوقت بدل الضائع، والذي سمح للمنتخب الجزائري بالتأهل الى دور خروج المغلوب في المركز الثالث وتجنب مواجهة اسبانيا أحد أبرز المرشحين للمنافسة على اللقب، والحضور في مسار مواجهة سويسرا ثم الفائز من مباراة غانا كولومبيا في ثمن النهائي.

بعيدا عن الحسابات، فإن المنتخب الجزائري استحق وجوده بين أفضل منتخبات الدور الثاني. فرغم البداية الصعبة بالخسارة الثقيلة أمام الأرجنتين، لم يفقد اللاعبون ثقتهم بأنفسهم.

وعادوا بقوة في المباراتين التاليتين، حيث فازوا عل الأردن وتعادلوا مع النمسا، وأكدوا أنهم يشكلون جيلا يملك شخصية مختلفة، قادرة على تجاوز الضغوط والعودة في أصعب الظروف، حيث نجح فلاديمير بيتكوفيتش في احتواء آثار الهزيمة الأولى، وأعاد ترتيب الأوراق بهدوء، بعيدا عن ردود الفعل المتسرعة. فكان الرد في الملعب، وليس عبر التصريحات، حتى ولو بدت بعض خياراته غير منطقية في نظر البعض من المتتبعين في الجزائر.

قبل انطلاق الجولة الأخيرة، كانت الحسابات تشير إلى احتمال مواجهة إسبانيا في الدور الثاني، وهو سيناريو لم يكن يتمناه أي مشجع جزائري، بالنظر إلى قوة المنتخب الإسباني وخبرته في البطولات الكبرى، لكن هدف التعادل الذي سجلته النمسا غير ترتيب المجموعة، ومنح الجزائر مسارا يبدو -على الورق على الأقل- أقل تعقيدا.

لذلك لم يكن غريبا أن يعم الارتياح مواقع التواصل الاجتماعي، وأن يعتبر كثير من الجزائريين ذلك الهدف واحدا من أهم أهداف البطولة، رغم أنه لم يسجله لاعب جزائري، غير أن هذه الفرحة يجب ألا تتحول إلى شعور زائف بالأمان، لأن كأس العالم لا يعترف بالأسماء ولا بالحسابات المسبقة، بل بما يحدث فوق أرضية الميدان.

من الناحية النظرية، قد تبدو قرعة الجزائر أكثر ملاءمة، لكن التجارب السابقة علمتنا أن المنتخبات التي تصل إلى الأدوار الإقصائية تكون جميعها مؤهلة لصناعة المفاجأة، فكم من منتخب كبير خرج أمام منافس اعتبره الجميع أقل مستوى، وكم من مرشح للقب ودع البطولة بسبب لحظة غفلة أو خطأ واحد، ولهذا فإن الحديث عن “طريق سهل” يبقى نسبيا، لأن الصعوبة في المونديال لا تقاس باسم المنافس فقط، وإنما بالجاهزية الذهنية والبدنية والقدرة على التعامل مع الضغط والجزئيات والتفاصيل، ومدى قدرة المدرب على اتخاذ القرارات اللازمة في الأوقات الحاسمة، واعتماد الخيارات الملائمة خاصة عندما تكون متوفرة بكثرة مثلما هو الحال في المنتخب الجزائري الحالي.

قبل أيام قليلة فقط، كان المدرب فلاديمير بيتكوفيتش يتعرض لانتقادات حادة بسبب خياراته الفنية وطريقة إدارته للمباريات.

أما اليوم، فقد تغير الخطاب بشكل واضح بعد نجاحه في قيادة المنتخب إلى الدور الثاني، ورغم أن النتائج وحدها لا تكفي للحكم على أي مشروع، فإن المدرب البوسني أثبت أنه يعرف كيف يدير البطولات الطويلة، وكيف يحافظ على هدوء المجموعة حتى في أصعب اللحظات، ويبقى التحدي الأكبر أمامه هو إقناع لاعبيه بأن التأهل ليس نهاية المطاف، وإنما بداية مرحلة أكثر صعوبة، لا مجال فيها للأخطاء.

من الطبيعي أن ترتفع سقف الطموحات في الشارع الجزائري بعد هذا التأهل، خاصة مع المسار الذي يبدو أقل تعقيدا مقارنة ببعض المنتخبات الأخرى، لكن يبقى المونديال مليء بالدروس التي تؤكد أن الثقة الزائدة قد تكون أخطر من قوة المنافس.

فالمنتخبات التي تحقق الإنجازات الكبرى هي تلك التي تتعامل مع كل مباراة وكأنها النهائي، كما الطريق إلى المجد لا تصنعه الحسابات وحدها، بل تصنعه الشخصية، والانضباط، والإيمان بأن التاريخ يكتب في المباريات الكبيرة، لا على الورق. وربما تكون الفرصة اليوم مواتية أمام الجزائر لكتابة فصل جديد يضاف إلى ملحمة مونديال 2014، وربما لتجاوزها هذه المرة.

شاركها.
اترك تعليقاً