4 يوليو 2026
لم يعد يفصل الألماني ينس فيسينغ عن قيادة الاتحاد السعودي سوى الإعلان الرسمي، بعدما اقترب من تولي المهمة خلفًا للبرتغالي سيرجيو كونسيساو. ويكشف هذا التوجه عن تغير لافت في طريقة تفكير إدارة “العميد”، التي تبدو هذه المرة أكثر ميلًا إلى الرهان على مدرب صاعد حقق نجاحًا آسيويًا، بدلًا من الاعتماد على بريق الأسماء الأوروبية الكبيرة.
وكان الاتحاد قد أعلن رسميًا، في الأول من يونيو/ حزيران 2026، إنهاء العلاقة التعاقدية مع كونسيساو بعد “تقييم شامل” لأداء الفريق، وبما يتماشى مع أهداف النادي في المرحلة المقبلة، وفق بيان النادي الرسمي. وجاء ذلك بعد أقل من عام على تعيين المدرب البرتغالي، الذي وصل في أكتوبر/ تشرين الأول 2025 بعقد يمتد حتى 2028، خلفًا للفرنسي لوران بلان.
التعاقد مع كونسيساو كان منطقيًا من حيث الاسم والسيرة؛ مدرب عرف النجاح مع بورتو، ومر بمحطة كبيرة في ميلان، ويمتلك شخصية حادة تناسب الأندية التي تعيش تحت ضغط جماهيري دائم، لكن تجربته مع الاتحاد السعودي لم تمنح الفريق الاستقرار المنتظر، وانتهت سريعًا بقرار إداري يعكس أن النادي لم يكن راضيًا عن شكل الفريق أو نتائجه.
اقرأ أيضًا..
المفارقة أن كونسيساو وصل إلى الاتحاد بعد تجربة متقلبة في ميلان؛ إذ قاد الفريق للفوز بكأس السوبر الإيطالية في بدايته، لكنه غادر لاحقًا بعد موسم محبط انتهى بعيدًا عن المراكز الأوروبية؛ لذلك لم تكن المشكلة في قيمة المدرب الفنية وحدها، بل في قدرة شخصيته وأفكاره على خلق مشروع مستقر داخل بيئة تحتاج إلى نتائج سريعة وهدوء إداري في الوقت نفسه.
فيسينغ.. اسم أقل ضجيجًا لكنه يحمل قصة
على الجانب الآخر، يظهر ينس فيسينغ كخيار مختلف تمامًا. المدرب الألماني البالغ 38 عامًا تولى تدريب غامبا أوساكا بداية من موسم 2026، وقبل ذلك، عمل مساعدًا في محطات أوروبية مهمة، منها آيندهوفن وبنفيكا وريد بول سالزبورغ، لكن نقطة الجذب الأكبر في سيرته لا ترتبط فقط بمشواره الأوروبي كمساعد، بل بما فعله سريعًا مع غامبا أوساكا.
فقد قاد الفريق الياباني للتتويج بلقب دوري أبطال آسيا 2 خلال الموسم الماضي 2025-26، بعد الفوز على النصر السعودي 1-0 في النهائي الذي أُقيم بالرياض، بهدف دنيس هوميت. هذا الانتصار تحديدًا يمنح فيسينغ بطاقة تعريف قوية في السعودية؛ فهو ليس مدربًا قادمًا من المجهول تمامًا، بل اسم نجح في إسقاط فريق سعودي كبير يضم كريستيانو رونالدو، وعلى أرض سعودية.
من المدرب النجم إلى مدرب التفاصيل
الفارق بين كونسيساو وفيسينغ لا يختصره العمر أو الشهرة فقط، بل الفلسفة. كونسيساو جاء إلى الاتحاد محمولًا على صورة المدرب الأوروبي صاحب الشخصية القوية والتجارب الكبرى، بينما يبدو فيسينغ أقرب إلى نموذج المدرب العملي الذي يبني قيمته من التنظيم، قراءة المباريات، وإدارة التفاصيل الصغيرة.
طريقة 4-2-3-1 هي الخيار المُفضل لفيسينغ، وهو رسم تكتيكي قد يُناسب الاتحاد السعودي إذا أراد إعادة التوازن بين القوة الهجومية والحماية الدفاعية، خصوصًا في فريق يضم أسماء قادرة على صناعة الفارق، لكنه يحتاج إلى منظومة أكثر صلابة وثباتًا.
ولا يمكن تجاهل أن غامبا أوساكا لم يهزم النصر لأنه امتلك نجومًا أكثر، بل لأنه عرف كيف يصمد أمام الضغط. موقع الاتحاد الآسيوي الرسمي أشار بعد النهائي إلى أن فوز الفريق الياباني بُني على الصلابة الدفاعية والتركيز الكامل أمام ضغط “فارس نجد”، وهذه بالضبط من النوعية التي قد يبحث عنها الاتحاد بعد موسم لم يمنحه الهدوء الكافي.
اختبار الاتحاد السعودي أصعب من غامبا
إذا أُعلن التعاقد مع فيسينغ رسميًا، فلن يكون التحدي الأول هو التعرف إلى الفريق أو التأقلم مع دوري روشن، بل إثبات أن نجاحه في اليابان قابل للتكرار داخل واحدة من أكثر البيئات الكروية تنافسًا في المنطقة، فالعمل في الاتحاد السعودي يختلف عن أي محطة سابقة؛ إذ يفرض النادي ضغوطًا جماهيرية وإعلامية مستمرة، إلى جانب سقف توقعات لا يترك مساحة كبيرة لفترات البناء الطويلة.
وسيجد المدرب الألماني نفسه أمام فريق يضم أسماء تملك خبرات كبيرة وتنافس على جميع البطولات، ما يجعل النجاح مرتبطًا بقدرته على إيجاد التوازن بين الانضباط التكتيكي واستثمار الإمكانات الفردية، وتحويل مجموعة النجوم إلى منظومة متجانسة قادرة على المنافسة طوال الموسم.
وفي المقابل، تبدو رسالة إدارة الاتحاد السعودي واضحة من خلال هذا التوجه؛ فالنادي لا يبحث هذه المرة عن مدرب يعيش على إنجازاته السابقة أو اسمه اللامع، بل عن شخصية فنية قادرة على بناء فريق أكثر تنظيمًا واستقرارًا، حتى وإن كانت أقل شهرة على المستوى الجماهيري.
لهذا، فإن اقتراب فيسينغ من قيادة “العميد” لا يمثل مجرد تغيير على مقاعد البدلاء، بل يعكس تحولًا في فلسفة الاختيار نفسها. ويبقى الحكم الحقيقي مؤجلًا إلى أرض الملعب، حيث ستكشف النتائج سريعًا ما إذا كان الرهان على المدرب الألماني سيقود إلى بداية مرحلة أكثر استقرارًا، أم أن ضغوط جدة ستفرض عليه اختبارًا هو الأصعب في مسيرته حتى الآن.
