18 يوليو 2026

يستعد ديدييه ديشامب لخوض مباراته الأخيرة على رأس الجهاز الفني لمنتخب فرنسا، عندما يواجه إنجلترا في مباراة تحديد المركز الثالث بمنافسات كأس العالم 2026، ليضع حدا لحقبة امتدت 14 عاما وشهدت واحدة من أكثر الفترات نجاحا في تاريخ المنتخب الفرنسي.

وخلال هذه السنوات، نجح ديشامب في إعادة “الديوك” إلى قمة كرة القدم العالمية، وقادهم إلى التتويج بكأس العالم 2018، وبلغ نهائي البطولة مرة أخرى عام 2022، كما وصل إلى نهائي بطولة أمم أوروبا 2016، وحقق لقب دوري الأمم الأوروبية 2021، لكنه في المقابل عاش أيضا لحظات قاسية، وواجه انتقادات متواصلة بسبب أسلوب اللعب والقرارات الفنية، خصوصا خلال السنوات الأخيرة.

ومنذ تعيينه مدربا لمنتخب فرنسا في 8 يوليو 2012، خاض ديشامب 186 مباراة في مختلف البطولات، حقق خلالها 122 انتصارا، وتعادل في 22 مباراة، بينما تعرض للخسارة في 32 مواجهة، ليترك أرقاما تعكس حجم الاستمرارية والنجاح الذي حققه مع المنتخب الفرنسي.

2013.. ليلة أوكرانيا التي أنقذت مشروع ديشامب

لم تكن بداية ديدييه ديشامب مع منتخب فرنسا سهلة، إذ تولى المسؤولية بعد فترة من التراجع والاضطرابات، وكان الفريق يبحث عن هويته بعد سنوات من الإخفاقات. وفي 15 نوفمبر 2013، بدا أن مسيرة المدرب الفرنسي قد تكون مهددة بالانتهاء مبكرا، بعدما خسر منتخب فرنسا أمام أوكرانيا بنتيجة 2-0 في ذهاب الملحق المؤهل إلى كأس العالم 2014.

احتاج “الديوك” إلى انتفاضة تاريخية في مباراة الإياب، وهو ما تحقق بالفعل على ملعب فرنسا، عندما فاز المنتخب الفرنسي 3-0 وانتزع بطاقة التأهل إلى مونديال البرازيل.

كأس العالم 2014.. الخطوة الأولى نحو القمة

دخل منتخب فرنسا كأس العالم 2014 في البرازيل بعد تجاوز اختبار أوكرانيا الصعب، وقدم خلال دور المجموعات أداء قويا، إذ تغلب على هندوراس 3-0، ثم اكتسح سويسرا 5-2، قبل أن يتجاوز نيجيريا 2-0 في دور الـ16.

وكان ذلك الفوز على نيجيريا الأول لفرنسا في الأدوار الإقصائية لكأس العالم منذ نسخة 2006، ليبدأ المنتخب في استعادة مكانته تدريجيا بين كبار كرة القدم العالمية.

وفي ربع النهائي، اصطدمت فرنسا بألمانيا، التي توجت لاحقا باللقب، وخسرت بهدف سجله ماتس هوملز، لكن المنتخب الفرنسي خرج من البطولة مرفوع الرأس، في بداية عملية إعادة بناء حقيقية تحت قيادة ديشامب.

يورو 2016.. خيبة مؤلمة على أرض فرنسا

بعد أربع سنوات من توليه المسؤولية، أصبح ديشامب يقود منتخبا فرنسيا استعاد علاقته بالجماهير، وامتلك مجموعة من المواهب القادرة على المنافسة على الألقاب.

واستفاد المنتخب الفرنسي من إقامة بطولة أمم أوروبا 2016 على أرضه، ونجح في الوصول إلى النهائي بعد تجاوز ألمانيا في نصف النهائي، ليصبح على بعد خطوة واحدة من التتويج باللقب القاري.

لكن النهاية كانت قاسية، إذ خسر المنتخب الفرنسي أمام البرتغال بهدف سجله إيدر في الوقت الإضافي، ليضيع حلم التتويج أمام الجماهير الفرنسية.

كأس العالم 2018.. ديشامب يكتب التاريخ

دخل المنتخب الفرنسي كأس العالم 2018 وسط نقاشات كبيرة حول التشكيلة والخطة المناسبة، وطالب كثيرون بمنح الثلاثي الهجومي المكون من عثمان ديمبيلي وأنطوان غريزمان وكيليان مبابي فرصة اللعب معا.

لكن ديشامب اتخذ قراراته الخاصة، واستقر على تشكيل أكثر توازنا، مع الاعتماد على بليز ماتويدي في الجناح الأيسر ضمن منظومة 4-2-3-1.

وكانت تلك القرارات حاسمة في مسيرة المنتخب الفرنسي، الذي تحول إلى فريق شديد الصلابة والواقعية، مع امتلاكه عناصر مميزة في كل الخطوط، مثل رافاييل فاران وبول بوغبا ونغولو كانتي وأنطوان غريزمان، إضافة إلى موهبة مبابي الصاعدة.

وبعد تجاوز أستراليا وبيرو والدنمارك في دور المجموعات، تخطت فرنسا الأرجنتين في مباراة مثيرة، ثم تغلبت على أوروغواي وبلجيكا، قبل أن تفوز على كرواتيا في النهائي وتتوج بكأس العالم للمرة الثانية في تاريخها. وبذلك، أصبح ديشامب أحد القلائل الذين فازوا بكأس العالم لاعبا ومدربا، بعدما سبق له قيادة فرنسا إلى اللقب عام 1998.

يورو 2021.. عودة بنزيما وأسوأ ذكرى

دخل منتخب فرنسا بطولة أمم أوروبا 2021 باعتباره المرشح الأبرز للتتويج، خاصة بعد عودة كريم بنزيما إلى صفوف المنتخب عقب غياب طويل. وكانت التوقعات مرتفعة للغاية، إذ امتلك الفريق تشكيلة قوية تجمع بين أبطال العالم ونجوم الصف الأول، لكن البطولة انتهت بصورة صادمة.

تقدمت فرنسا على سويسرا 3-1 حتى الدقيقة 81، قبل أن تتلقى هدفين وتذهب المباراة إلى الوقت الإضافي، ثم تخسر بركلات الترجيح بعد التعادل 3-3. ووصف ديشامب تلك المباراة بأنها أسوأ ذكرى له مع المنتخب الفرنسي.

كأس العالم 2022.. نهائي أسطوري أمام الأرجنتين

وصل المنتخب الفرنسي إلى كأس العالم 2022 في قطر بصفته حامل اللقب، لكنه واجه ظروفا صعبة، من بينها غياب كريم بنزيما عن البطولة في ظروف أثارت جدلا واسعا. ورغم ذلك، نجح ديشامب في قيادة فريقه إلى المباراة النهائية أمام الأرجنتين، في مواجهة بدت محسومة تقريبا لمصلحة المنتخب الأرجنتيني خلال معظم فتراتها.

تأخرت فرنسا بهدفين، وبدا المنتخب عاجزا عن مجاراة ليونيل ميسي ورفاقه، لكن كيليان مبابي أعاد الفريق إلى المباراة بتسجيله ثلاثية تاريخية. وانتهت المواجهة بالتعادل 3-3، قبل أن تحسم الأرجنتين اللقب بركلات الترجيح، لكن ديشامب ومنتخب فرنسا حصدا إشادة واسعة بسبب العودة التاريخية والأداء الأسطوري في النهائي.

يورو 2024.. الانتقادات تبلغ ذروتها

بعد عامين من نهائي كأس العالم، وصل المنتخب الفرنسي إلى نصف نهائي بطولة أمم أوروبا 2024، لكنه تعرض لانتقادات قاسية بسبب أسلوب لعبه. وعانى الفريق هجوميا بصورة واضحة، إذ لم يسجل هدفا من اللعب المفتوح إلا في المراحل الأخيرة من البطولة، بينما جاء هدفان عن طريق النيران الصديقة، إضافة إلى ركلة جزاء سجلها مبابي.

ورغم الوصول إلى نصف النهائي، خسرت فرنسا أمام إسبانيا، وبدأت الانتقادات تتزايد ضد ديشامب، خاصة مع اعتقاد كثير من المحللين أن الفريق فقد جزءا من هويته الهجومية. وفي تلك البطولة، حقق ديشامب إنجازا تاريخيا بالوصول إلى 100 انتصار مع المنتخب الفرنسي، لكن الإنجاز لم يكن كافيا لتخفيف الانتقادات المتعلقة بأسلوب اللعب.

كأس العالم 2026.. محاولة أخيرة ونهاية مؤلمة

كان ديشامب قد أعلن في يناير 2025 أنه سيغادر منصبه بعد نهاية كأس العالم 2026، لتبدأ بذلك آخر مرحلة في مسيرته الطويلة مع المنتخب الفرنسي. وفي البطولة الأخيرة، بدا أن المدرب الفرنسي حاول تقديم نسخة مختلفة من فريقه، مع منح المنتخب هوية هجومية أكثر وضوحا، والاعتماد على قوة الثلاثي كيليان مبابي ومايكل أوليز وعثمان ديمبيلي.

وأظهر المنتخب الفرنسي خلال مراحل البطولة قوة هجومية لافتة، ونجح في تقديم مستويات جعلته أحد أبرز المرشحين للمنافسة على اللقب. لكن المسيرة انتهت بخيبة أمل كبيرة أمام إسبانيا في نصف النهائي، بعدما خسر المنتخب الفرنسي 2-0، لتعود الانتقادات إلى ديشامب في اللحظة الأخيرة من مسيرته.

إرث ديشامب.. بين الإنجازات والانتقادات

يصعب تقييم فترة ديشامب مع منتخب فرنسا من خلال آخر بطولة فقط، كما يصعب تجاهل الانتقادات التي رافقت سنواته الأخيرة. فخلال 14 عاما، أعاد المدرب الفرنسي منتخب بلاده إلى القمة، وقاده إلى الفوز بكأس العالم، وبلوغ نهائيين عالميين، والوصول إلى نهائي بطولة أمم أوروبا، وتحقيق لقب دوري الأمم الأوروبية.

كما خاض 186 مباراة، فاز في 122 منها، وتعادل في 22، وخسر 32 مباراة، وهي أرقام تؤكد حجم الاستمرارية التي حققها على رأس المنتخب. لكن في المقابل، يرى منتقدوه أن فترة بقائه الطويلة جعلت نهايته أقل بريقا مما كان يمكن أن تكون عليه، خاصة مع تراجع الأداء في يورو 2024 والخروج من كأس العالم 2026.



شاركها.
اترك تعليقاً