18 يوليو 2026

لم ينجح الهلال السعودي في بناء تاريخه الحافل بالبطولات اعتمادًا على الصفقات الأغلى أو الأسماء الأكثر شهرة فقط، بل بفضل لاعبين تحولوا بعد انضمامهم إلى النادي إلى عناصر حاسمة صنعت الأهداف والإنجازات، وتركت بصمة لا تزال حاضرة في ذاكرة جماهير “الزعيم” حتى اليوم.

ويجعل امتداد تاريخ الهلال وكثرة نجاحاته عملية اختيار أفضل 5 صفقات شديدة الصعوبة؛ فالمقارنة لا تقتصر على جودة اللاعب الفردية، بل تشمل مدة استمراره، وحضوره في النهائيات، ودوره في الإنجازات المحلية والقارية، ومدى قدرة النادي على الاستفادة منه قياسًا إلى تكلفة التعاقد معه.

ولا تشمل القائمة اللاعبين الذين تدرجوا داخل الفئات السنية للهلال، مثل محمد الشلهوب وسالم الدوسري، مهما بلغت مكانتهم التاريخية؛ لأن الحديث هنا يركز على الصفقات التي أبرمها النادي العاصمي مع لاعبين قادمين من أندية أخرى ثم تحولوا إلى ركائز أساسية في مسيرته.

اقرأ أيضًا..

وبناءً على هذه المعايير، يتصدر الفرنسي بافيتيمبي غوميز القائمة بفضل دوره في إعادة نادي الهلال السعودي إلى عرش آسيا، إلى جانب محمد الدعيع وياسر القحطاني والبرازيلي كارلوس إدواردو والسويدي كريستيان ويلهامسون.

وفي المقابل، خرجت أسماء كبيرة مثل روبرتو ريفيلينو، وأندريه كاريو، وروبن نيفيز، وسيرغي ميلينكوفيتش سافيتش، وياسين بونو من القائمة النهائية، ليس لضعف تأثيرها، وإنما لأن ضيق القائمة فرض منح الأفضلية للاعبين الذين جمعوا بين الاستمرارية، وكثرة البطولات، والحضور الحاسم على مدار سنوات.

بافيتيمبي غوميز.. صفقة الهلال السعودي الأكثر اكتمالًا

يمتلك بافيتيمبي غوميز الحجة الأقوى لاعتباره أفضل صفقة أجنبية في تاريخ الهلال؛ لأنه جمع بين الغزارة التهديفية، البطولات، الاستمرارية، والحسم في أهم لحظة قارية عاشها النادي العاصمي خلال العصر الحديث. 

وانضم المهاجم الفرنسي إلى الهلال السعودي في أغسطس/آب 2018 قادمًا من غلطة سراي التركي، مقابل نحو 7 ملايين يورو، قبل أن يقضي 3 مواسم ونصف تحولت خلالها احتفاليته الشهيرة على طريقة الأسد إلى إحدى الصور المرتبطة بجيل أعاد صياغة تاريخ النادي القاري.

وجاءت ذروة تأثير غوميز في دوري أبطال آسيا 2019، عندما سجل 11 هدفًا، وتوج هدافًا وأفضل لاعب في البطولة، كما أحرز الهدف الثاني أمام أوراوا ريد دايموندز في إياب النهائي باليابان، ليؤكد فوز الهلال باللقب بنتيجة 3-0 في مجموع المباراتين.

ولم يتوقف دوره عند استعادة الكأس الآسيوية بعد انتظار طويل؛ فقد سجل هدف الفوز أمام الترجي التونسي في كأس العالم للأندية 2019، ثم كان ضمن الفريق الذي توج بدوري أبطال آسيا مرة أخرى عام 2021.

وغادر غوميز الهلال وفي رصيده 7 بطولات، بينها 3 ألقاب للدوري السعودي وبطولتان لدوري أبطال آسيا، وهي حصيلة يصعب أن يجمعها لاعب أجنبي خلال فترة زمنية محدودة، خصوصًا مع ارتباطه المباشر بأهم إنجاز قاري للنادي في تلك المرحلة.

محمد الدعيع.. سنوات من الثبات وحراسة البطولات

احتاج الهلال السعودي في نهاية التسعينيات إلى حارس قادر على تحمل ضغط فريق ينافس على كل بطولة، فوجد ضالته في محمد الدعيع، الذي انتقل من الطائي عام 1999 وظل يحرس مرمى الفريق حتى اعتزاله في 2010.

ووصل الدعيع إلى الرياض وهو أحد أبرز نجوم المنتخب السعودي، لكنه لم يعتمد على تاريخه الدولي، بل حافظ على مكانته خلال أكثر من 10 مواسم، وخاض 230 مباراة في الدوري بقميص الهلال بحسب السجلات الإحصائية المتاحة لمسيرته.

وخلال تجربته، حقق الهلال 4 ألقاب للدوري، إضافة إلى بطولات محلية وقارية، وكان الدعيع حاضرًا في التتويج ببطولة الأندية الآسيوية عام 2000 وكأس الكؤوس الآسيوية عام 2002، وتكمن قيمة الصفقة في أن “الزعيم” لم يتعاقد مع حارس يمنحه موسمًا أو موسمين جيدين، بل حصل على قائد وفر للفريق استقرارًا طويلًا في مركز شديد الحساسية، وامتلك القدرة على إنقاذ النقاط وحسم المواجهات الكبرى.

ياسر القحطاني.. صفقة تحولت إلى قائد ورمز جماهيري

أثار انتقال ياسر القحطاني من القادسية إلى الهلال السعودي عام 2005 اهتمامًا جماهيريًا واسعًا، بالنظر إلى المنافسة على ضم المهاجم السعودي وقيمته الفنية الكبيرة، لكنه نجح لاحقًا في تقديم ما يتجاوز الضجة التي رافقت الصفقة.

سجل القحطاني 132 هدفًا بقميص الهلال في مختلف البطولات، ليحتل موقعًا متقدمًا في قائمة الهدافين التاريخيين للنادي، كما توج معه بـ16 لقبًا، بينها 5 ألقاب للدوري السعودي، وكانت لحظته الأبرز في موسم 2007-08، عندما سجل هدف الفوز أمام الاتحاد في جدة خلال الجولة الأخيرة، ليمنح الهلال بطولة الدوري في واحدة من أشهر مباريات الحسم في تاريخ المسابقة.

وجاء ذلك بعد أشهر من تتويجه بجائزة أفضل لاعب في آسيا لعام 2007، ليصبح القحطاني خلال سنواته الأولى مع الهلال السعودي المهاجم الأول للفريق وأحد أبرز الوجوه في الكرة السعودية، ولا تختصر أرقام التسجيل قيمة ياسر؛ فقد حمل شارة القيادة، وارتبط اسمه بجيل كامل من جماهير النادي، واستمر مع الفريق حتى اعتزاله، باستثناء فترة إعارة قصيرة إلى العين الإماراتي.

كارلوس إدواردو.. لاعب وسط سجل كأنه مهاجم

تعاقد الهلال السعودي مع كارلوس إدواردو في صيف 2015، ولم يحتج البرازيلي إلى فترة طويلة للإعلان عن نفسه؛ فقد سجل هدف الفوز على النصر في كأس السوبر السعودي خلال ظهوره الرسمي الأول، مانحًا فريقه بطولة مباشرة من أول مباراة.

استمرت تجربة إدواردو 5 أعوام، سجل خلالها 81 هدفًا وصنع 20 خلال 155 مباراة، ليغادر بعدما أصبح الهداف التاريخي للاعبي الهلال الأجانب في ذلك الوقت، وتكشف هذه الأرقام القيمة الحقيقية للصفقة؛ فإدواردو لم يكن مهاجمًا صريحًا، بل لاعب وسط هجوميًا يجيد الدخول إلى منطقة الجزاء، والتسجيل بالرأس والقدمين، والتحرك خلف المهاجم.

كما امتلك قدرة واضحة على الظهور في المباريات الكبرى؛ إذ ارتبطت بدايته بهدف السوبر أمام النصر، ثم أسهم لاحقًا في بطولات الدوري وكأس الملك والسوبر، وكان ضمن قائمة الهلال التي استعادت دوري أبطال آسيا عام 2019.

وفي كأس العالم للأندية 2019، حصل إدواردو على الكرة البرونزية لثالث أفضل لاعب في البطولة، بعد ظهوره المؤثر خلال مشاركة الهلال الأولى في المسابقة، وتسجيله أمام مونتيري المكسيكي في مباراة تحديد المركز الثالث.

غادر البرازيلي وهو يملك 7 ألقاب بقميص النادي، لكن أهمية الصفقة لم تكن في العدد وحده؛ فقد منح الهلال السعودي لعدة مواسم لاعبًا يستطيع صناعة اللعب وإنهاء الهجمات، دون الحاجة إلى اللعب في مركز رأس الحربة.

كريستيان ويلهامسون.. جناح منح الهلال الجودة والاستمرارية

قد لا يحظى كريستيان ويلهامسون بالحضور الإعلامي الذي تحظى به بعض الصفقات الحديثة، لكنه كان واحدًا من أكثر اللاعبين الأجانب ثباتًا وتأثيرًا في تاريخ الهلال السعودي. وصل الجناح السويدي عام 2008 بعد مسيرة أوروبية شملت أندية أندرلخت ونانت وروما وبولتون وديبورتيفو لاكورونيا، في وقت لم يكن استقطاب لاعب دولي قادم من الدوريات الأوروبية الكبرى أمرًا معتادًا بالسهولة الحالية.

احتاج ويلهامسون إلى موسم للتكيف، ثم قدم خلال الدوري السعودي موسم 2009-10 9 أهداف و10 تمريرات حاسمة في 20 مباراة، وقاد الهلال السعودي إلى ثنائية الدوري وكأس ولي العهد، ليتوج بجائزة أفضل لاعب في الموسم.

ولم يكن تأثيره مرتبطًا بموسم واحد؛ فقد ساعد الفريق على الاحتفاظ بلقبي الدوري وكأس ولي العهد في الموسم التالي، وأصبح لاعبًا حاسمًا في النهائيات، بعدما سجل في 3 مباريات نهائية متتالية لكأس ولي العهد.

وسجل الجناح السويدي 24 هدفًا في 69 مباراة بالدوري مع الهلال، لكن الأرقام لا تعكس وحدها ما قدمه؛ فقد منح الفريق السرعة والعرض والقدرة على المواجهات الفردية، كما كان ملتزمًا بالعودة الدفاعية والعمل من دون الكرة.

لماذا لم يدخل ريفيلينو قائمة أفضل 5 صفقات؟

يبقى روبرتو ريفيلينو الاسم الأكبر والأكثر تأثيرًا من الناحية الرمزية بين الصفقات التاريخية للهلال؛ إذ انضم إلى النادي عام 1978 وهو بطل لكأس العالم مع البرازيل وأحد أشهر لاعبي كرة القدم في جيله.

كانت الصفقة سابقة لعصرها، وأسهمت في منح الهلال والكرة السعودية حضورًا عالميًا مبكرًا، لذلك يمكن وصف ريفيلينو بأنه أشهر صفقة في تاريخ النادي، وربما الأكثر أهمية في بناء صورته الدولية.

لكن القائمة الحالية لا تعتمد على الشهرة أو القيمة الرمزية فقط؛ إذ تمنح وزنًا أكبر للاستمرارية وعدد البطولات والحسم على مدار عدة مواسم، وهي معايير منحت غوميز والدعيع والقحطاني وإدواردو وويلهامسون أفضلية محدودة.

صفقات أخرى تركت أثرًا كبيرًا مع الهلال السعودي

لا يمكن اختزال تاريخ صفقات الهلال السعودي في 5 لاعبين فقط؛ فالقائمة تضم أسماء فرضت نفسها بقوة، لكنها خرجت بفوارق محدودة. ويأتي في مقدمتها ريفيلينو، كما يُعد البيروفي أندريه كاريو من أنجح الصفقات الأجنبية في تاريخ الهلال، بعدما قدم مستويات ثابتة على مدار عدة مواسم، وأسهم في تتويج الفريق بعدد من البطولات المحلية والقارية.

ويبرز أيضًا البرتغالي روبن نيفيز والصربي سيرغي ميلينكوفيتش سافيتش، اللذان أصبحا من أهم ركائز خط الوسط منذ انضمامهما في صيف 2023، بفضل الجودة الفنية والاستقرار في المستوى، فيما رسخ المغربي ياسين بونو مكانته بين أبرز حراس المرمى الذين دافعوا عن ألوان الهلال خلال السنوات الأخيرة.

ويستحق الكوري الجنوبي جانغ هيون سو مكانة خاصة بين أنجح الصفقات الدفاعية، بعدما كان عنصرًا أساسيًا في الجيل المتوج بدوري أبطال آسيا مرتين، بينما ترك الروماني ميريل رادوي بصمة كبيرة بفضل شخصيته القيادية وقدرته على اللعب في أكثر من مركز.

كما قدم تياغو نيفيز تجربتين ناجحتين بقميص الهلال، وبرز بمهاراته وقدرته على صناعة اللعب والتسجيل، في حين فرض ألكسندر ميتروفيتش نفسه سريعًا بين أبرز المهاجمين الذين ارتدوا قميص النادي، بعدما سجل 40 هدفًا في مختلف البطولات خلال موسمه الأول، وأسهم في تحقيق الثلاثية المحلية، إلا أن قصر مدة تجربته أبعده عن القائمة النهائية.

في النهاية، سيظل ترتيب أفضل صفقات الهلال السعودي مسألة قابلة للنقاش بين الجماهير؛ فلكل جيل نجومه الذين ارتبطوا بذكريات مختلفة، ولكل لاعب بصمة صنعت جانبًا من تاريخ “الزعيم”، لكن ما يصعب الاختلاف حوله أن نجاح النادي على مدار عقود لم يكن قائمًا على التعاقد مع الأسماء اللامعة فقط، بل على حسن اختيار اللاعبين القادرين على تحويل الصفقات إلى بطولات.



شاركها.
اترك تعليقاً