7 يونيو 2026

في تاريخ مشاركات المنتخب السعودي بكأس العالم، لا تُحفظ كل المباريات بنفس القوة، ولا تبقى كل النتائج في الذاكرة بالطريقة ذاتها. هناك دائمًا لحظة واحدة تختصر جيلًا كاملًا، ولقطة واحدة تتحول إلى عنوان خالد، واسم واحد يخرج من البطولة أكبر مما دخلها.

هكذا فعل سعيد العويران في مونديال 1994، وهكذا رسّخ سامي الجابر حضوره عبر أكثر من نسخة، ثم جاء سالم الدوسري ليعيد كتابة العلاقة بين السعودية وكأس العالم بهدفه التاريخي في شباك الأرجنتين.

ومع اقتراب كأس العالم 2026، يعود السؤال من جديد: من اللاعب القادر على صناعة اللحظة السعودية القادمة؟ هل يواصل سالم الدوسري كتابة تاريخه؟ أم يظهر اسم جديد مثل مصعب الجوير أو خالد الغنام ليقود «الأخضر» إلى فصل مختلف؟

سعيد العويران.. الهدف الذي صار ذاكرة

لا يمكن الحديث عن لحظات السعودية في كأس العالم دون البدء من سعيد العويران. هدفه الشهير في مرمى بلجيكا عام 1994 لم يكن مجرد هدف جميل، بل كان إعلانًا عالميًا عن منتخب سعودي لا يخشى الكبار.

تسلم العويران الكرة من منتصف الملعب، وانطلق وسط الدفاع البلجيكي، قبل أن يضعها في الشباك، ليكتب واحدة من أشهر لقطات كأس العالم في تاريخ العرب وآسيا.

ذلك الهدف لم يمنح السعودية فوزًا فقط، بل ساهم في عبور المنتخب إلى دور الـ16 في أفضل مشاركة مونديالية بتاريخ «الأخضر»، ومنذ تلك اللحظة، أصبح العويران صاحب البصمة الأيقونية الأولى للسعودية في كأس العالم.

سامي الجابر.. رجل الأرقام المونديالية

بعد العويران، جاء سامي الجابر كأحد أهم الأسماء السعودية في تاريخ كأس العالم. لم يكن حضوره مرتبطًا بلقطة واحدة فقط، بل باستمرارية نادرة جعلته رمزًا موندياليًا للأخضر.

شارك سامي الجابر في 4 نسخ متتالية من كأس العالم أعوام 1994 و1998 و2002 و2006، وسجل 3 أهداف في 3 نسخ مختلفة، وهو إنجاز لم يحققه أي لاعب سعودي قبله.

سجل الجابر أمام المغرب في مونديال 1994، ثم أمام جنوب أفريقيا في 1998، وبعدها أمام تونس في 2006، ليصبح أول لاعب سعودي يسجل في 3 نسخ مختلفة من كأس العالم.

أرقام سامي الجابر صنعت له مكانة خاصة؛ لأنه لم يكن مجرد مهاجم كبير في تاريخ الهلال والمنتخب، بل كان الواجهة السعودية الأكثر ثباتًا في المونديال لفترة طويلة.

سالم الدوسري.. الوريث الذي عادل الأسطورة

سنوات طويلة ظل رقم سامي الجابر حاضرًا في صدارة هدافي السعودية بكأس العالم، حتى جاء سالم الدوسري ليعادله ويضع نفسه بجوار واحد من أكبر رموز الكرة السعودية.

سالم سجل أول أهدافه المونديالية أمام مصر في كأس العالم 2018، عندما منح السعودية فوزًا معنويًا في الجولة الأخيرة من دور المجموعات.

وفي مونديال 2022، عاد الدوسري ليكتب لحظة لا تُنسى، بعدما سجل هدف الفوز التاريخي أمام الأرجنتين، في المباراة التي انتهت بانتصار السعودية 2-1 على منتخب ليونيل ميسي، الذي توّج لاحقًا بلقب البطولة.

ثم سجل سالم هدفًا آخر أمام المكسيك في ختام دور المجموعات، ليصل إلى 3 أهداف في كأس العالم، ويتساوى مع سامي الجابر في صدارة هدافي السعودية تاريخيًا بالمونديال.

لكن قيمة سالم لا تقف عند الرقم فقط. هو اللاعب الذي أعاد للسعودية لحظة الفوز على الكبار، وصنع هدفًا سيظل حاضرًا في ذاكرة المونديال، كما ظل هدف العويران حاضرًا منذ 1994.

2026.. هل ينتظر الأخضر بطلًا جديدًا؟

يدخل المنتخب السعودي كأس العالم 2026 وهو يعرف أن التاريخ لا يُصنع بالأسماء القديمة فقط. العويران كتب لحظته، والجابر ترك أرقامه، وسالم الدوسري وضع بصمته. لكن كل نسخة من كأس العالم تحتاج إلى وجه جديد، أو لاعب يخرج من الظل ليصبح بطل المشهد.

السؤال الآن ليس فقط: هل يستطيع سالم الدوسري تسجيل هدف جديد؟ بل: هل يملك المنتخب السعودي لاعبًا آخر قادرًا على حمل اللحظة إذا غابت المساحة عن سالم أو نجح المنافسون في إغلاق مفاتيحه؟

هنا تظهر أسماء شابة ومتألقة، تبحث عن فرصة لتغيير موقعها في تاريخ المنتخب.

مصعب الجوير.. عقل جديد في وسط الأخضر

مصعب الجوير يبدو أحد أبرز المرشحين لصناعة لحظة سعودية جديدة في كأس العالم 2026. لاعب القادسية صاحب الـ22 عامًا قدم أفضل موسم هجومي له في الدوري، بعدما سجل 7 أهداف وقدم 12 تمريرة حاسمة.

هذه الأرقام تكشف لاعبًا لم يعد مجرد موهبة تنتظر الفرصة، بل عنصرًا قادرًا على صناعة الفارق، سواء بالتمرير أو التسجيل أو التحكم في إيقاع اللعب.

ما يميز الجوير أنه لا يحتاج إلى أن يكون هدافًا صريحًا كي يصبح مؤثرًا. في كأس العالم، قد تكون التمريرة التي تكسر خط الدفاع أهم من الهدف نفسه، وقد تكون اللمسة قبل الأخيرة هي التي تصنع لحظة لا تُنسى.

إذا أراد المنتخب السعودي أن يتحرر من الاعتماد الكامل على الأطراف والكرات الفردية، فإن مصعب الجوير قد يكون المفتاح. لاعب يستطيع منح «الأخضر» عقلًا أكثر هدوءًا في وسط الملعب، وخيالًا أكبر في الثلث الأخير.

خالد الغنام.. موسم انفجار قبل المونديال

إلى جانب الجوير، يبرز خالد الغنام لاعب الاتفاق كأحد الأسماء التي تدخل كأس العالم 2026 بثقة كبيرة، بعد أفضل موسم له في الدوري.

الغنام سجل 13 هدفًا وقدم 7 تمريرات حاسمة، وهي حصيلة تعكس تطورًا واضحًا في شخصيته الهجومية، وتحوله من لاعب موهوب إلى عنصر منتج ومؤثر بشكل مباشر.

في بطولات مثل كأس العالم، يحتاج المنتخب إلى لاعب قادر على تهديد المرمى من أنصاف الفرص، ولاعب لا يخشى الدخول إلى منطقة الجزاء أو التسديد أو اتخاذ القرار الصعب.

وهنا تأتي قيمة الغنام. فهو يمنح السعودية خيارًا مباشرًا وسريعًا، وقد يكون أحد أهم الأسلحة إذا احتاج المنتخب إلى لاعب يغيّر إيقاع المباراة أو يستغل المساحات خلف دفاعات المنافسين.

بين سالم والجوير والغنام.. من يحمل اللحظة؟

ربما يكون سالم الدوسري هو الاسم الأكثر خبرة، وربما يكون الأكثر قدرة على التعامل مع ضغط كأس العالم، لكن المنتخب السعودي يحتاج في 2026 إلى أكثر من بطل واحد.

التاريخ يقول إن اللحظات الكبرى لا تأتي دائمًا من اللاعب الأكثر توقعًا. هدف العويران لم يكن مجرد هدف لاعب، بل انفجار لحظة. وسامي الجابر بنى إرثه عبر نسخ متعددة. وسالم الدوسري احتاج إلى تسديدة واحدة أمام الأرجنتين ليصبح صاحب واحدة من أشهر لقطات الكرة السعودية.

في 2026، قد تأتي اللحظة من تمريرة مصعب الجوير، أو انطلاقة خالد الغنام، أو هدف جديد من سالم الدوسري، أو حتى من اسم آخر لا ينتظره أحد.

دونيس والبحث عن صانع اللحظة

دور جورجوس دونيس، مدرب المنتخب السعودي، لن يكون فقط اختيار التشكيلة، بل صناعة البيئة التي تسمح بظهور بطل جديد.

اللاعبون الموهوبون يحتاجون إلى أدوار واضحة. الجوير يحتاج إلى حرية محسوبة بين الخطوط. الغنام يحتاج إلى مساحات وتحولات سريعة. سالم يحتاج إلى ألا يكون محاصرًا وحده كمنفذ وحيد للخطورة.

إذا نجح دونيس في توزيع المسؤولية، فقد يرى المنتخب السعودي نسخة أكثر تنوعًا في كأس العالم. نسخة لا تنتظر لاعبًا واحدًا، بل تمنح أكثر من اسم فرصة كتابة التاريخ.

شاركها.
اترك تعليقاً