12 يوليو 2026
نملك في العالم العربي حاليًا مشروعين طموحين على المستوى العالمي، الأول يتمثل في الدوري السعودي الذي يحاول تثبيت نفسه ضمن أهم دوريات العالم، والثاني منتخب المغرب الذي يسعى اتحاد بلاده لصناعة منتخب يستطيع الفوز بكأس العالم.
الطموح جميل، لكن الواقع له أحكامه، وأعتقد أن المشروعين يواجهان نفس التحدي الصعب، وهو عدم امتلاك الهرمية الطبيعية والبيئة المحيطة اللازمة لخلق الاستدامة المطلوبة بأقل تكلفة، فالدوري السعودي ينتمي إلى قارة آسيا، وأما منتخب المغرب فينتمي إلى قارة أفريقيا.
منتخب المغرب والدوري السعودي.. بين الطموحات والواقع!
لنبدأ بالموضوع الذي نعايشه هذه الأيام، ألا وهو منتخب المغرب فاللاعب المحلي هنا يخوض بطولات أقل حدة وكثافة من كأس العالم، يلعب في دوري أبطال أفريقيا، في ملاعب متفاوتة الجودة، وأمام أساليب كرة قدم أقل تعقيداً، وحتى كأس أمم أفريقيا قد يؤمن لك مباراة أو مباراتين من مستوى أعلى فقط.
اقرأ أيضًا
محمد وهبي يقدم وعدًا لجماهير المغرب بعد الإقصاء من كأس العالم 2026
خاص.. الاتحاد يحسم الجدل بشأن مستقبل يوسف النصيري
وعندما نتحدث عن اللاعب المحلي المغربي، فنحن نتحدث عن المخزون الأكبر من المواهب، والرهان على الأكاديميات وحدها لا يكفي، لأن المؤكد في كرة القدم أن التجربة واللعب هي أساس تطوير اللاعب، وليس فقط تعلم الأساسيات دون عيش ضغوط المباريات الحقيقية.
قد يقول لي أحدهم انظر إلى أوناحي أو سفيان رحيمي، هم من نشأة محلية ويستطيعان تقديم مردود عالمي، هذه ملاحظة جيدة، لكن الأول ذهب وعمره 18 سنة إلى ستراسبورغ الفرنسي، وهي حالة غير قابلة للتكرار بشكل واسع، والثاني أقرب للاستثناء، وتشعر أن مستواه الأعلى كان سيصل لحد أفضل، لو نشأ في أوروبا.
أما الدوري السعودي، فقد تقدم بخطوات كبيرة إلى الأمام، يملك لاعبين مميزين من أوروبا، يلعب منهم الآن عدة لاعبين في أدوار متقدمة في كأس العالم، لكن تكلفة الحصول على هذا اللاعب وإبقائه في الدوري أعلى من النطاق الطبيعي لخلق دوري استثماري.
عدم وجود لاعبين آسيويين جاهزين لتقديم هذا المستوى، أو لاعبين يمكن الحصول عليهم من أفريقيا بشكل مباشر، ونزعة الشاب اللاتيني للذهاب إلى أوروبا أولاً، تجعل الحصول على المواهب المميزة والأسماء الكبيرة عالية التكلفة.
في أوروبا، انظر إلى البريميرليغ؛ تجد لاعبين نشؤوا في ألمانيا وفرنسا وهولندا وبلجيكا والدنمارك وغيرها من دول القارة العجوز، وفي منتخب مثل فرنسا تجد بعض لاعبيه خرجوا صغاراً إلى أوروبا في دول مجاورة، ليتدربوا ويتطوروا، يكفي أن نتذكر أن من طوّرغريزمان هو ريال سوسيداد، ومن أوصل أوليز لمستواه هو أندية لندن.
الخلاصة أن مشروعي منتخب المغرب والدوري السعودي يواجهان نفس المعادلة: الطموح كبير لكنه يسبق العقلية المحيطة بسنوات عديدة، الدوري السعودي يشتري الحل الآن بدفع عقود جيدة، والمغرب يحاول بناءه بالوقت والرهان على مواهب المهجر، والاستفادة من اللحظة الحالية، لكن كلاهما يصطدم بحقيقة أن كرة القدم لا تُختصر، فهي نتاج تراكم طبيعي من المنافسة والاحتكاك اليومي، والهرمية أساس هذه اللعبة، ولا بديل صناعي يعوّض غيابه بالكامل.
المسألة ليست مستحيلة، لكنها تحتاج تطوير التخطيط الآن وليس غداً، منتخب المغرب عليه فتح خطوط تصدير رسمية مستقرة واضحة مضمونة إلى أوروبا، ليس بالضرورة الدوريات الكبرى، أما الدوري السعودي فعليه الانتباه إلى أن التمويل الحالي قد يتوقف في أي لحظة، لذلك يجب تطوير آلية رصد مواهب في أفريقيا وأمريكا الجنوبية لا تعتمد على الوكلاء، ويجب معها تطوير آلية التفاوض والإقناع.
المسألة ممكنة لكنها صعبة لتكون مستدامة، تحتاج إلى الصبر، تحتاج إلى عدم عيش اللحظة أكثر من اللازم، وتجاهل المستقبل، فالطموح وحده لا يصنع الاستمرارية، والتاريخ يرفض تجاوز مراحل التطور الطبيعي.
كلي ثقة بأن يجد المشروعين طريقهما، لكن هذا المقال مجرد تذكير بضرورة عدم عيش اللحظة أكثر من اللازم.
