6 يوليو 2026
يريد الأهلي السعودي التعاقد مع فرانسيسكو ترينكاو في توقيت مختلف من مسيرة اللاعب البرتغالي، فالمفاوضات الجارية مع سبورتينغ لشبونة لا تتعلق فقط بجناح أيمن أعسر يمكنه شغل المساحة التي تركها الجزائري رياض محرز، بل بلاعب وصل إلى مرحلة فنية أكثر نضجًا بعد سنوات من البحث عن مكانه الحقيقي في الكرة الأوروبية.
رحلة ترينكاو لا تشبه مسيرة لاعب انفجر مبكرًا ثم حافظ على خطه التصاعدي بسهولة، فهو لاعب انتقل إلى برشلونة وسط توقعات كبيرة، ثم خرج إلى وولفرهامبتون دون أن يحصل على الانطلاقة التي كان ينتظرها، قبل أن يجد في سبورتينغ لشبونة البيئة التي أعادت ترتيب مسيرته ومنحته دورًا أكبر داخل الملعب.
وهنا تكمن أهمية الصفقة بالنسبة للراقي. الأهلي السعودي لا ينظر إلى لاعب عاش على وهج انتقاله السابق إلى برشلونة، بل إلى لاعب يدخل الآن واحدة من أفضل مراحل مسيرته، بعدما أصبح أكثر ثباتًا وتأثيرًا في الدوري البرتغالي، وتحول إلى عنصر هجومي مهم في فريق ينافس محليًا وأوروبيًا.
اقرأ أيضًا..
لذلك، فإن قراءة الصفقة من زاوية تعويض رياض محرز فقط لا تكفي. الأهلي لا يطارد مجرد جناح يشغل المركز نفسه، بل لاعبًا أعاد بناء نفسه خطوة بعد أخرى، حتى أصبح هدفًا لصفقة كبيرة قد تصل قيمتها إلى نحو 50 مليون يورو، إذا اكتملت المفاوضات مع سبورتينغ خلال الأيام المقبلة.
موهبة اشتراها برشلونة مبكرًا
بدأت القصة الكبرى لترينكاو في يناير/ كانون الثاني 2020، عندما أعلن برشلونة التعاقد معه من سبورتينغ براغا مقابل 31 مليون يورو، بعقد يمتد لخمس سنوات وشرط جزائي بلغ 500 مليون يورو. وقتها، كان النادي الكتالوني يراهن على موهبة برتغالية صاعدة تملك قدمًا يسرى، ومهارة فردية، وقدرة على اللعب في أكثر من مركز هجومي.
لكن الانتقال إلى برشلونة جاء في مرحلة معقدة. ترينكاو لم يحصل على المساحة الكافية ليصبح لاعبًا ثابتًا، ولم تتحول موهبته إلى تأثير واضح داخل فريق كان يعيش ضغطًا فنيًا وإداريًا كبيرًا. ومع مرور الوقت، بدا أن اللاعب يحتاج إلى بيئة أقل صخبًا وأكثر استقرارًا كي يخرج أفضل ما لديه.
بعد موسم واحد، خرج ترينكاو إلى وولفرهامبتون على سبيل الإعارة حتى يونيو/ حزيران 2022، في تجربة كان يُفترض أن تمنحه فرصة جديدة داخل الدوري الإنجليزي. لكنه لم يجد هناك الانطلاقة التي تعيد تقديمه بصورة مختلفة، رغم الخبرة التي اكتسبها في مسابقة أكثر قوة وإيقاعًا.
وولفرهامبتون لم يمنحه الانطلاقة
في إنجلترا، حصل ترينكاو على احتكاك بدني وخبرة تكتيكية مختلفة، لكنه بقي لاعبًا يبحث عن الاستقرار أكثر من كونه نجمًا يصنع الفارق بصورة منتظمة. لم تكن المشكلة في موهبته، بل في عدم وجود سياق يسمح له بالاستمرار في دور واضح وثابت.
لذلك، كان انتقاله إلى سبورتينغ لشبونة في صيف 2022 نقطة التحول الحقيقية. هناك عاد إلى أجواء يعرفها، وبدأ يستعيد ثقته تدريجيًا، ثم تحول من لاعب يملك وعدًا كبيرًا إلى عنصر مؤثر في فريق يعتمد عليه بصورة منتظمة.
هذه المحطة غيّرت نظرة السوق إليه. لم يعد ترينكاو اللاعب الذي خرج من برشلونة بحثًا عن فرصة، بل أصبح لاعبًا يملك وزنًا داخل سبورتينغ، وعقدًا طويلًا، وقيمة سوقية مرتفعة، ودورًا هجوميًا واضحًا.
الأهلي السعودي يطارد أفضل نسخة من ترينكاو
الأهلي السعودي لا يطارد اليوم النسخة التي غادرت برشلونة، بل النسخة التي أعادت تقديم نفسها في سبورتينغ. ترينكاو يبلغ 26 عامًا، ويرتبط بعقد حتى يونيو/ حزيران 2030، بينما تبلغ قيمته السوقية 40 مليون يورو وفق موقع “ترانسفير ماركت”.
الأرقام الأخيرة تشرح سبب اهتمام الأهلي السعودي. في الدوري البرتغالي موسم 2025-26، سجل ترينكاو 7 أهداف وصنع 11 خلال 2851 دقيقة، بمتوسط تقييم 7.65 وفق “FotMob”. كما تشير البيانات إلى مشاركته أساسيًا في 32 مباراة بالدوري، مع 7 أهداف و11 تمريرة حاسمة و74 تسديدة.
هذه الحصيلة تمنحه صورة لاعب لا يكتفي باللمسة الأخيرة، بل يشارك باستمرار في صناعة الخطورة. 18 مساهمة تهديفية في الدوري ليست رقمًا عابرًا لجناح يلعب على الطرف، بل مؤشر على لاعب أصبح أكثر قدرة على التأثير في النتيجة، سواء بالتسجيل أو التمريرة الحاسمة.
وعلى مستوى جميع البطولات، قدم ترينكاو موسمًا أكثر اكتمالًا مع سبورتينغ، بعدما رفع حضوره الهجومي وأصبح أكثر انتظامًا في صناعة الفرص والتحرك بين الخطوط. وهذا تحديدًا ما يجعل اهتمام الأهلي السعودي به مفهومًا؛ فالنادي لا يبحث عن اسم سابق في برشلونة، بل عن لاعب أثبت أنه تجاوز مرحلة الوعد إلى مرحلة الإنتاج.
لماذا يناسب الأهلي؟
ما يميز ترينكاو أنه ليس جناحًا تقليديًا ينتظر الكرة على الخط. هو جناح أيمن أعسر يفضل الدخول إلى العمق، ويجيد صناعة الفرص، والربط بين الوسط والهجوم، والتحرك في المساحات القريبة من منطقة الجزاء.
وتمنح هذه الخصائص الأهلي السعودي أكثر من حل بعد رحيل محرز. فالنادي يحتاج إلى لاعب يستطيع شغل الجهة اليمنى، لكنه في الوقت نفسه قادر على تغيير شكل الهجمة، وليس فقط تكرار الدور نفسه الذي كان يؤديه النجم الجزائري.
محرز كان يمنح الأهلي الهدوء، التحكم، واللمسة الحاسمة في التمرير أو التسديد، أما ترينكاو فيقدم صورة مختلفة: حركة أكبر، مرونة في المراكز، قدرة على الدخول للعمق، وميل واضح لصناعة الفرص من مناطق متنوعة.
ولهذا، قد يكون وصفه بـ”بديل محرز” دقيقًا من حيث المركز، لكنه لا يشرح الصفقة كاملة. الأهلي السعودي لا يبحث فقط عن لاعب أعسر في الجناح الأيمن، بل عن عنصر قادر على منح الهجوم إيقاعًا مختلفًا ومرونة أكبر أمام المنافسين.
صفقة صعبة وليست مجرد قرار مالي
القيمة المتداولة للصفقة، والتي قد تصل إلى نحو 50 مليون يورو، تعكس حجم التعقيد في المفاوضات. سبورتينغ لا يتعامل مع ترينكاو كلاعب زائد عن الحاجة، بل كأحد عناصره المؤثرة، خصوصًا أن عقده ممتد حتى 2030؛ لذلك، لن تكون الصفقة سهلة حتى لو امتلك الأهلي السعودي القدرة المالية.
فالنادي البرتغالي يملك موقفًا تفاوضيًا قويًا، واللاعب نفسه يدرك أنه يعيش مرحلة مهمة في مسيرته، بعدما أصبح أكثر نضجًا مما كان عليه في برشلونة ووولفرهامبتون، ومع ذلك، فإن دخول الأهلي بقوة في هذا الملف يكشف اتجاهًا واضحًا في السوق.
النادي السعودي لا يتحرك فقط نحو الأسماء الجاهزة أو النجوم المخضرمين، بل يحاول استهداف لاعب في منتصف العشرينات، لديه تجربة أوروبية كبيرة، ووصل إلى مرحلة يمكن أن تمنحه سنوات مؤثرة داخل المشروع.
وإذا نجح الأهلي السعودي في إتمام صفقة ترينكاو، فلن يكون قد تعاقد فقط مع جناح أيمن أعسر لتعويض محرز، بل مع لاعب مرّ بتجارب كبرى مبكرًا، تعثر، ثم أعاد بناء نفسه في البرتغال حتى أصبح أكثر جاهزية وتأثيرًا.
برشلونة اشترى ترينكاو بوصفه وعدًا للمستقبل. وولفرهامبتون لم يستطع إخراج أفضل ما لديه. أما سبورتينغ، فقد منحه البيئة التي أعادت تشكيله ومنحته دورًا واضحًا وثقة أكبر، وهذا هو جوهر رهان الأهلي. النادي لا يحاول شراء بداية القصة، بل الدخول في اللحظة التي أصبح فيها اللاعب أقرب إلى النسخة التي انتظرها منه برشلونة منذ سنوات؛ نسخة أكثر نضجًا، وأكثر إنتاجًا.
