3 يوليو 2026
وُلد إسماعيل صيباري يوم 28 يناير/ كانون الثاني 2001 في بلدة تيراسا، بضواحي برشلونة الإسبانية، لأبوين مغربيين، وسط فرحة عارمة سرعان ما تحولت إلى قلق وخوف. فقد جاء إلى الدنيا بقدمين مقوستين نحو الداخل بشكل حاد، في تشوه خلقي جعل حركته صعبة ومصحوبة بآلام منذ أيامه الأولى.
وأمام هذا الواقع المؤلم، سارعت والدته إلى عرض طفلها على الأطباء، لكن تشخيصهم كان صادمًا، إذ أكدوا أن حالته معقدة، وأن فرصته في المشي بصورة طبيعية تبدو ضئيلة، أما ممارسة كرة القدم أو حتى الركض، فلم تكن في نظرهم سوى حلم بعيد المنال.
في تلك اللحظات، لم تكن والدته تحلم بأن يصبح نجمًا عالميًا أو لاعبًا تتغنى الجماهير باسمه، بل كانت أمنيتها الوحيدة أن يتمكن ابنها من الوقوف على قدميه، وأن يعيش حياة طبيعية مثل بقية الأطفال.
اقرأ أيضًا
إسماعيل صيباري.. رحلة علاج هزمت المستحيل
لكن الأم رفضت الاستسلام لتشخيص الأطباء، وبدأت رحلة علاج شاقة استمرت سنوات، خضع خلالها إسماعيل لاستخدام جهاز حديدي لتقويم قدميه، وقضى جانبًا كبيرًا من طفولته مكبلًا به، متحملًا آلامًا تفوق سنه، بينما كانت والدته تسانده في كل خطوة، وتخفف عنه وجعه بالدعاء والصبر.
ومع مرور الوقت، بدأت المؤشرات الإيجابية تظهر، وتحولت المخاوف إلى بارقة أمل، حتى تمكن الطفل من المشي، ثم الجري، قبل أن تصبح الكرة رفيقته الدائمة وشغفه الأول.
وبحثًا عن مستقبل أفضل، انتقلت العائلة إلى بلجيكا، وهناك بدأت قصة أخرى. انضم صيباري إلى أكاديمية أندرلخت، حيث لفت الأنظار بموهبته الكبيرة، وتدرج في مختلف الفئات السنية، حتى بدا أن الطريق نحو الاحتراف أصبح ممهدًا أمامه. لكن القدر كان يخبئ له اختبارًا جديدًا.
صيباري بين صدمة الرفض وبداية الانتقام الرياضي
قبل يوم واحد فقط من انطلاق الموسم الجديد، استدعته إدارة أندرلخت لتبلغه بقرار الاستغناء عنه. كانت الحجة قاسية بالنسبة إلى فتى لم يتجاوز الرابعة عشرة من عمره: وزنه الزائد وعدم امتلاكه المقومات اللازمة للعب في أعلى المستويات.
واعترف صيباري لاحقًا بأن تلك كانت أكثر لحظة إيلامًا في حياته، بعدما شعر بأن حلمه الكروي انتهى قبل أن يبدأ.
لكن عائلته رفضت أن تسمح له بالسقوط. وقف والداه إلى جانبه، وأقنعاه بأن الرد الحقيقي لا يكون بالحزن، وإنما بالعمل داخل الملعب. وهكذا انتقل مباشرة إلى أكاديمية جينك البلجيكي، وهناك لم ينتظر طويلًا للرد على ناديه السابق.
وفي أول مواجهة أمام أندرلخت، قدم مباراة استثنائية، سجل خلالها هدفًا وصنع آخر، ليقود فريقه إلى الفوز باللقب المحلي على حساب النادي الذي استغنى عنه، في واحدة من أجمل قصص الرد داخل المستطيل الأخضر.
آيندهوفن.. المحطة التي صنعت النجم
وفي عام 2020، انتقل صيباري إلى بي إس في آيندهوفن، حيث دخل مرحلة جديدة من النضج الكروي، وتحول تدريجيًا إلى أحد أبرز لاعبي خط الوسط في الدوري الهولندي، بفضل قوته البدنية، وقدرته على الاختراق، وحسه التهديفي.
وخلال مسيرته مع النادي، خاض 142 مباراة، سجل خلالها 42 هدفًا، وصنع 29، وأسهم في التتويج بثمانية ألقاب محلية، ليفرض نفسه أحد أبرز المواهب المغربية في أوروبا.
كأس العالم.. ميلاد نجم عالمي
بلغ صيباري ذروة تألقه في كأس العالم 2026، بعدما تحول إلى أحد أبرز نجوم المنتخب المغربي. وخلال دور المجموعات، سجل ثلاثة أهداف، كان أبرزها في شباك البرازيل، عندما انطلق خلف الدفاع ليلحق بتمريرة إبراهيم دياز، قبل أن يضع الكرة بلمسة رائعة فوق الحارس أليسون بيكر، في هدف تناقلته وسائل الإعلام العالمية.
وجاءت ليلة 30 يونيو/ حزيران لتكتب الفصل الأجمل في قصته، حين تقدم بثبات لتنفيذ ركلة الترجيح الحاسمة أمام هولندا في الدور ثمن النهائي، ليقود “أسود الأطلس” إلى ربع النهائي، ويصبح أول لاعب إفريقي يسجل في ثلاث مباريات متتالية خلال نسخة واحدة من كأس العالم، رافعًا رصيده الدولي إلى 12 هدفًا.
من طفل كاد لا يمشي.. إلى صفقة بايرن ميونخ
هذا التألق اللافت أشعل الصراع بين كبار أوروبا، قبل أن ينجح بايرن ميونخ في حسم واحدة من أبرز صفقات الصيف، بضم الجوهرة المغربية إلى ملعب “أليانز أرينا”.
ولم يكن انتقال إسماعيل صيباري إلى العملاق البافاري مجرد صفقة جديدة، بل كان تتويجًا لقصة استثنائية بدأت بطفل أخبره الأطباء أنه قد لا يتمكن من المشي، وانتهت بلاعب أصبح أحد أبرز نجوم الكرة المغربية والأوروبية، بعدما أثبت أن الإرادة قادرة على هزيمة أكثر التوقعات تشاؤمًا.
بين أمنية والدته القديمة، ودموعها التي انهمرت خوفًا من أن يعجز ابنها يومًا عن المشي، وبين الواقع الذي صنعه بالصبر والإصرار والعمل، يقف إسماعيل صيباري اليوم شامخًا بوصفه أحد أبرز الوجوه الصاعدة في كرة القدم العالمية، وقصة ملهمة تؤكد أن الإيمان بالنفس، حين يقترن بالعزيمة، قادر على هزيمة أصعب التحديات.
فالطفل الذي أخبره الأطباء بأن المشي قد يكون حلمًا بعيد المنال، أصبح اليوم نجمًا يتنافس كبار أندية أوروبا على خدماته، وأحد أهم أسلحة المنتخب المغربي، بعدما حوّل الألم إلى دافع، والمستحيل إلى واقع، ليصبح اسمه حاضرًا بين كبار نجوم اللعبة، من ملاعب كأس العالم إلى “أليانز أرينا”.
مواجهة كندا.. فصل جديد في قصة لا تعرف المستحيل
وفي محطة جديدة من رحلته الاستثنائية، يستعد صيباري لقيادة “أسود الأطلس” في المواجهة المرتقبة أمام كندا، غدًا السبت، ضمن منافسات ثمن نهائي كأس العالم 2026، وسط ترقب كبير من الجماهير المغربية والعالمية لما سيقدمه أحد أبرز نجوم البطولة.
وبالنسبة إلى صيباري، لا تمثل مواجهة كندا مجرد مباراة في بطولة كبرى، بل فصلًا جديدًا من قصة تحدٍّ بدأت منذ طفولته. فاللاعب الذي هزم توقعات الأطباء، وتجاوز خيبة الاستغناء عنه، وفرض نفسه بين نخبة نجوم أوروبا، سيدخل المباراة بالعقلية نفسها التي أوصلته إلى هذه المكانة؛ عقلية المقاتل الذي لا يعترف بالمستحيل.
وربما لا يعلم كثيرون أن كل خطوة يخطوها صيباري فوق أرضية الملعب تحمل في طياتها انتصارًا جديدًا على ماضٍ كاد يحرمه حتى من نعمة المشي.
ولهذا، فإن رحلته لم تعد مجرد قصة لاعب كرة قدم، بل أصبحت قصة إرادة، ورسالة أمل، ودليلًا حيًا على أن الأحلام الكبيرة لا تولد كاملة، بل تُصنع بالصبر، وتُكتب بالإيمان، وتُخلّد بالعمل.
