6 يوليو 2026

أسدل نيمار جونيور الستار على رحلته مع منتخب البرازيل، بعدما انتهت مسيرته الدولية عند محطة كأس العالم 2026 بالخروج من دور الـ16 أمام النرويج (2-1)، في مباراة حملت الطابع الأخير لنجم ظل لسنوات طويلة عنوانا للأمل والجدل معا في الكرة البرازيلية.

وجاء إعلان الاعتزال ليضع نهاية لمسيرة دولية امتدت لسنوات طويلة، حمل خلالها القميص الأصفر في 130 مباراة، وتصدر قائمة الهدافين التاريخيين لمنتخب البرازيل، لكنه في المقابل ظل يبحث عن اللحظة التي تعيد كتابة تاريخه على مستوى كأس العالم، البطولة التي تحولت إلى الاختبار الأصعب في رحلته الكروية.

مسيرة رقمية تضع نيمار بين عظماء اللعبة

على مدار مسيرته مع المنتخب البرازيلي، لم يكن نيمار لاعبا عاديا في سجل السيليساو، حيث خاض 130 مباراة دولية، أمضى خلالها أكثر من 10 آلاف دقيقة بقميص المنتخب، ليترك بصمة تهديفية بلغت 80 هدفا، إلى جانب 59 تمريرة حاسمة، وهو رقم يجمع بين صناعة الفارق وإنهاء الهجمات في أعلى مستويات كرة القدم الدولية.

اقرأ أيضًا

توزعت مشاركاته بين 70 مباراة ودية، و28 في تصفيات كأس العالم، و15 في نهائيات المونديال، و12 في كوبا أمريكا، و5 في كأس القارات، ليكون حاضرا في كل المحطات الكبرى تقريبا للكرة البرازيلية الحديثة.

ورغم كل هذا الحضور، لم يتوج مع المنتخب الأول سوى بلقب كأس القارات 2013، بينما جاءت الميدالية الذهبية في أولمبياد 2016 مع المنتخب الأولمبي لتضيف إنجازا مختلفا، دون أن تغير من حقيقة أن المسيرة الكبرى ظلت تبحث عن تتويج عالمي أكبر.

أرقام تاريخية لكن في ظل عمالقة آخرين

بـ80 هدفا دوليا، دخل نيمار قائمة أفضل هدافي المنتخبات في التاريخ، ضمن مجموعة تضم أسماء صنعت تاريخ اللعبة على المستوى العالمي، وهذا الرقم وضعه في المركز التاسع بين نخبة الهدافين عبر العصور، في قائمة يتصدرها كريستيانو رونالدو ثم ليونيل ميسي، مرورا بأسماء من مختلف القارات والمدارس الكروية.

لكن الأهم من الرقم نفسه كان تنوع مساهماته، إذ لم يكن مجرد هداف، بل صانع لعب من الطراز الرفيع، حيث يصنف ضمن أبرز اللاعبين صناعة للأهداف دوليا عبر التاريخ باحتلاله المركز الثاني بـ59 تمريرة حاسمة، خلف ليونيل ميسي 64 مع الأرجنتين.

ومع ذلك، ظل السؤال حاضرا: لماذا لم تتحول هذه الأرقام إلى تتويج عالمي كبير مع البرازيل؟

كأس العالم.. الفصل الأصعب في مسيرة نيمار

في كأس العالم، لعب نيمار 15 مباراة عبر أربع نسخ، سجل خلالها 9 أهداف وصنع 4 أخرى، وترك بصمته في كل نسخة شارك فيها، لكنه لم ينجح في قيادة البرازيل إلى منصة التتويج.

أفضل ما وصل إليه كان بلوغ ربع النهائي ثلاث مرات، بينما تحولت نسخة 2026 إلى نهاية مختلفة تماما، حيث خرج المنتخب من دور الـ16 أمام النرويج في مباراة حملت الكثير من التحولات الدرامية.

النهاية لم تكن رقمية فقط بل عاطفية أيضا، إذ انتهت المباراة بهدف متأخر من ركلة جزاء سجله بنفسه، في محاولة أخيرة لتأجيل لحظة الرحيل، لكنها لم تكن كافية لتغيير المصير.

أربعة مونديالات وأربع نهايات ثقيلة

منذ أول ظهور له في كأس العالم، ارتبط اسم نيمار بلحظات درامية أكثر من لحظات الفرح، ففي 2014، توقفت رحلته مبكرا بسبب إصابة قوية في الظهر خلال مواجهة كولومبيا، غاب بعدها عن واحدة من أكثر الهزائم قسوة في تاريخ البرازيل، حين سقط المنتخب أمام ألمانيا بنتيجة تاريخية 7-1 في نصف النهائي، بينما كانت البلاد كلها تترقب نجمها الشاب.

في 2018، انتهت الرحلة أمام بلجيكا في ربع النهائي، في مباراة خرج فيها المنتخب وسط خيبة كبيرة، وبدا نيمار بعيدا عن حلمه الحقيقي الأول في البطولة.

أما في 2022، فقد وصل إلى لحظة أقرب من أي وقت مضى، حين سجل في الأدوار الإقصائية واعتقد أن الحلم اقترب، قبل أن تنتهي المواجهة أمام كرواتيا بركلات الترجيح، وسط انهيار واضح للنجم البرازيلي.

ثم جاءت 2026، التي بدأت بظروف معقدة أصلا بسبب الإصابة، وشارك فيها بشكل متقطع، قبل أن ينتهي المشهد بخروج مبكر أمام النرويج، ودموع لم تعد استثناء بل أصبحت صورة معتادة في رحلته المونديالية.

الإصابات والفرص الضائعة

لم تكن مسيرة نيمار مع البرازيل صراعا مع الخصوم فقط بل مع الجسد كذلك، فالإصابات لعبت دورا مباشرا في تشكيل مساره، وأثرت على لحظات حاسمة، أبرزها في مونديال 2014 حين أوقفته إصابة خطيرة في الظهر عن استكمال البطولة.

وفي محطة أخرى بارزة، غاب نيمار عن تتويج البرازيل بكوبا أمريكا 2019 بعدما تعرض لإصابة في الكاحل خلال مباراة ودية أمام منتخب قطر قبل انطلاق البطولة، ليغيب عن المشوار القاري بالكامل، رغم حضوره في المدرجات لدعم زملائه أثناء التتويج باللقب.

وتعد إصابة الرباط الصليبي الأمامي في الركبة اليسرى، المصحوبة بقطع في الغضروف الهلالي خلال مباراة البرازيل أمام الأوروغواي في تصفيات كأس العالم، واحدة من أكثر الإصابات تأثيرا في مسيرته، بعدما أبعدته عن الملاعب لمدة قاربت 396 يوما، وهو غياب انعكس على جاهزيته البدنية وإيقاعه الفني لاحقا، وترك أثرا واضحا على استمرارية حضوره في الفترات الحاسمة مع المنتخب.

وفي 2026، لم يكن الوضع مختلفا، إذ دخل البطولة وهو بعيد عن أفضل جاهزية، وشارك في أوقات محدودة، ما جعله أقرب إلى الحضور الرمزي في بعض فترات المشوار.

الدموع الصورة الثابتة في كل محطة

منذ البدايات وحتى النهاية، ظل المشهد الإنساني حاضرا بقوة في مسيرة نيمار الدولية، الدموع ظهرت في أكثر من نسخة من كأس العالم، سواء بعد الإصابات أو بعد الإقصاء أو حتى بعد اللحظات الضائعة في الأمتار الأخيرة.

وفي مشهد الوداع الأخير، لم تكن الدموع مجرد رد فعل لحظة خسارة، بل بدت كأنها خلاصة مسيرة كاملة بين ضغط التوقعات، وثقل المقارنات، ومحاولات قيادة جيل جديد من البرازيل نحو لقب غائب.

بين أساطير البرازيل.. أين يقف نيمار؟

عند مقارنة نيمار بأسماء مثل بيليه ورونالدو وروماريو، يبرز فارق حاسم في المعادلة البرازيلية التقليدية: كأس العالم.

فبينما ارتبط أساطير السامبا الكبرى بلحظات تتويج عالمية حاسمة، جاء إرث نيمار مختلفا؛ إرث قائم على الأرقام الفردية، والتأثير الهجومي، والتنوع الفني، لكنه بقي من دون اللقطة الختامية التي تعيد تعريف العلاقة بين اللاعب والمنتخب: رفع كأس العالم.

ومع ذلك، فإن اختزاله في غياب اللقب وحده لا يعكس الصورة كاملة، لأن أرقامه تضعه ضمن أكثر اللاعبين تأثيرا في تاريخ المنتخب البرازيلي، سواء في التسجيل أو الصناعة أو الاستمرارية على أعلى مستوى لسنوات طويلة.

نهاية الرحلة

رحل نيمار عن المنتخب بعد 130 مباراة، و80 هدفا، ومئات اللحظات التي صنعت الجدل والأمل والانكسار في آن واحد، انتهت رحلته الدولية، لكن النقاش حولها لن ينتهي بسهولة.

هل كان نيمار ضحية الإصابات والضغط التاريخي على نجم البرازيل الأول؟ أم أنه أحد أعظم المواهب التي لم تكتمل قصتها في كأس العالم؟

الإجابة ستبقى مفتوحة، لكن المؤكد أن مسيرته مع السيليساو ستظل واحدة من أكثر الحكايات تعقيدا بين نجوم الكرة الحديثة، حكاية بدأت بالوعود، وانتهت بالأرقام، وبقيت كأس العالم فيها الحلقة الأشد قسوة.

شاركها.
اترك تعليقاً