19 يونيو 2026
بعد خسارة الأردن أمام النمسا بنتيجة 3-1، نشرتُ مقطع فيديو كنت فيه فخورًا بأداء النشامى، وفعل ذلك كثيرون على شبكات التواصل؛ من صناع محتوى رياضي وإعلاميين ومشاهير في مجالات مختلفة. وسط كل ذلك وصلتني رسالة أضحكتني من صديق مصري لا يتابع كرة القدم إلا في كأس العالم، كتب فيها: “معلش أسألك حاجة، هو إنتوا فرحانين بالخسارة ليه؟”.
كان جوابي له بسيطًا، لكنني هنا أريد أن أشرحه أكثر، أتذكر مقولة قالها لي النجم الإماراتي إسماعيل مطر، عندما سألته: “لماذا استمريت كل هذه السنوات مع نادي الوحدة وأنت لا تحقق ألقابًا كثيرة معه؟”، فأجابني: “لو كانت المسألة بطولات فقط، لكان عدد الأندية التي تشارك في الدوريات والكؤوس محدودًا جدًا”.
كرة القدم كما يجب أن تكون.. “افرح بما تحقق واحلم بما هو آت”
من هنا تبدأ الحكاية، فهذه اللعبة تُلعب بكرة، وكلما أدرتها إلى جهة ظننت أنك ترى الوجه نفسه، لكنك في الحقيقة ترى زاوية مختلفة ولو كانت نفس الفكرة، هكذا ننظر إلى اللعبة؛ كلنا نشاهد المباراة نفسها، لكن كل واحد يرى منها معنى مختلفًا.
المنتخبات والأندية الكبرى بالتأكيد مطالبة بالألقاب، فهي تملك الجودة والخبرة والقدرة على ذلك، والفرق المتوسطة مطالبة بتحقيق شيء مقبول يناسب حجمها، أما الفرق الأصغر فهي ليست هامش اللعبة، بل أساسها وبدايتها، وهي مطالبة بتقديم أفضل ما لديها، بغض النظر عما يتحقق في النهاية من نتيجة.
هذه الجملة: “أفضل ما لديها”، هي معيار السعادة الحقيقي في كرة القدم، وهي التي تجعل البعض سعيدًا بما يعتقده البعض الآخر خسارة، لكنه في سباقه انتصار ضمني، عندما يحقق الفريق أقصى ما يستطيع، فهو ينتصر فعلًا، ولو كانت لوحة النتيجة تشير إلى الخسارة.
وما يؤكد قناعتي بنظرية أفضل ما يمكن، أن بعض جماهير الفرق الكبرى قد تكون حزينة رغم أنها حققت لقب الدوري مثلًا، لأنها تعتقد أن قدراتها تكفي للفوز بدوري الأبطال، أو لأنها ترى أن كان بإمكانها حسم الدوري بعدد نقاط أكبر، فالسعادة ليست مرتبطة دوماً بالنتيجة، بل بحساب الإمكانيات مقابل النتائج.
ما الذي يجعل قائد كوراساو يخرج بعد الخسارة بسباعية ويقول “نحن فخورون”؟، ببساطة لأنه يعرف أن كل لاعب في فريقه قدم أفضل ما لديه، وأن أفضل ما لديهم هو الخروج بهذه النتيجة مع ألمانيا، قد يقول البعض لكن هذا “قلة طموح، ولماذا لا نحلم بالفوز بكأس العالم؟”.
هنا تكمن نقاشات لا تنتهي، لماذا لا نرفع كأس العالم؟ أو نصبح قادرين على هزيمة النمسا بسهولة؟ هذه مسألة تحتاج خطة، ولن تتم فورًا، وهنا يجب أن نضع إستراتيجيات ونمضي عليها، وهو أمر مطلوب طبعًا، لكن ماذا نفعل في اللحظة الحالية؟ نبكي فقط؟.. والسؤال بكلمات أخرى: “إذا قدم اللاعبون أقصى ما لديهم، هل نحزن فقط لأن النتيجة لم تكافئنا؟.
يقول لي صديق دائمًا إن البسطاء هم أساس كرة القدم، هؤلاء لا يدخلون في تفاصيل الضغط العكسي والعالي، ولا يبالغون في النظريات، وهؤلاء البسطاء هم من يفرحون عندما يرون 11 لاعبًا يرتدون قميص بلدهم ويفعلون كل ما يستطيعون، ولا يتحدثون عن أنصاف مساحات كان على لاعب منتخبهم الاستفادة منها.
لنتذكر أن هناك فرقًا بين “الممكن” و”المُتمنّى”، فالممكن هو ما يمكن تحقيقه بقدراتنا الحالية، وفي حال حدث، من حق البعض أن يظهروا راضين، بغض النظر عن النتيجة، ويمكن أن يصبح الرضا سعادة وفرحة، لو أن ما شاهدناه في أرض الملعب يعكس أقصى درجات الممكن، لكن المُتمنّى هو الفوز والتفوق، بغض النظر عن الإمكانيات.
لكن علينا أن نفهم أن تحقيق ما يفوق الإمكانيات في كرة القدم ليس القاعدة بل الاستثناء، يحدث من باب الصدفة، يحدث من باب غدر كرة القدم وحبها الواضح للتلاعب بمشاعر الناس، فهي بهذه التقلبات تمنح الأمل للجميع، وكأنها تقول: “ما أضيق كرة القدم لولا فسحة الأمل”.
لذلك، أقول لكل من شاهد فريقه يقدم أفضل ما لديه ولم يفز: افرح الآن، ثم طالب بالمزيد من العمل والتخطيط والتطوير، حتى يصبح “أفضل ما لدينا” قادرًا يومًا ما على تحقيق الانتصارات وحمل الكؤوس.
